اتقان الطوارئ

212031حسام عيتاني:

لا أذكر عدد المرات التي ذهبت فيها الى قسم الطوارئ ذاك. اصطحبت الى هناك اعدادا لم أحصها من الاقارب والاصدقاء.

وصلت اليه ماشيا وعلى متن سيارات اجرة وسيارات خاصة وفي عربات اسعاف. وصرت أعرف تفاصيل الاروقة ووجوه الممرضات ومدة بقاء الأطباء المتمرنين وكيفية انجاز المعاملات امام صناديق المحاسبة والقبول.

الممرض الاربعيني هذا الذي ثبّت ابني بعدما سقط على انفه في بداية تعلمه المشي، يبدو لي
وكأنه يعرف مكان كل إبرة وكل ضمادة في القسم. هدوءه يشبه هدوء العارف لاسرار كثيرة والشاهد على آلام عظيمة. يضيف عليه قدرا عاليا من الثقة بالنفس. وتلك الممرضة التي راحت تتأفف لدى تكرار طلبي بمساعدة امي على التقلب في السرير، تضع حجابها كأنها مرغمة على وضعه وتتعامل مع الآخرين وكأنها موهبة ضائعة.

رافقت التغييرات كلها منذ بداية التسعينات. رأيت اعادة تقسيم الأجنحة وابتكار مقدمات جديدة لاستقبال المرضى، كالمرور عند ممرض يحدد الفرع المخصص لكل حالة. صرت اعرف مكاتب الضمان الاجتماعي ووزارة الصحة وشركات التأمين. أعرف المحاسب اللزج صاحب النكتة الباردة وبديله العامل ليلا. ولا يشتت انتباهي ورشة ترميم ولا تغيير في الموظفين.

مرات عدة خرجت ومن ارافق من الطوارئ لعدم توفر المال اللازم للعلاج واقتراحات من الاطباء بتوفير النقود او تغطية من الضمان او شركة تأمين قبل العودة لمحاولة تلقي العلاج. ومرات تركت مريضي يبيت ليلته في العناية الفائقة. وليست نادرة، أيضا، المرات التي غادرنا فيها قسم الطوارئ وعلى وجوهنا ابتسامات السلامة والنجاة. 

تسمم. محاولات انتحار. ارتفاع ضغط الدم. ارتفاع حرارة. اوجاع مختلفة. نوبات ربو. انقطاع عن تناول دواء لا يباع الا بوصفة طبية. تبرع بالدم. هذا موجز عن الحالات التي حملتني أناء الليل وأطراف النهار الى قسم طوارئ مستشفى كبير لم اقصر أيضا في زيارته مع أصدقاء تعرضوا لحوادث سير او اطلاق نار.

يتطلب مرور الوقت البطيء في المستشفيات فنونا من الصبر والتحايل واتقان الشرود. الانتظار الطويل لصدور نتائج الفحوصات. توقع رد الطبيب المختص على سؤال الطبيب المقيم. البحث بين الطوابق عن سرير شاغر. تأخر صديق يحمل المال اللازم لقبول المريض. الحيرة حيال نفاد المال فيما لائحة الفحوصات والصور الاشعاعية تطول. كلها امور تفترض السعي في قتل الوقت. سيكارة امام باب المستشفى. تسكع في الممرات. ادعاء البحث عن رقم صديق منقذ على الهاتف المحمول. أشياء عشتها مرات وشاهدت العشرات غيري يقومون بها واضعين على وجوههم ذات التعبير الذي رسمته على وجهي. التجهم الجدي القلق على المريض او المصاب القابع وراء ستار حجرة الطوارئ الضيقة. تصنع الصبر واختراع قوة الشكيمة من ضرورات تمرير الوقت في اقسام الطوارئ. الوقت في هذا المكان يبسط سلطان بأسه على اقسى صورة قابلة للتخيل. وقت ثقيل دبق ومرهق يذكر المنتظر بعجزه وقلة حيلته وضآلته امام مصائب الحياة والموت.

القلق والضجر يأتيان هنا معا. تغيب في العادة مشاعر الحزن او مراجعة الاسباب التي حملتنا للوصول الى قسم الطوارئ امام ضرورات المتابعة وتوفير الاوراق والمال وانتظار الفحوصات وصور الاشعة. المزاح غير مرحب به، بداهة، إلا عند الخروج من القسم مع المريض الذي تجاوز الخطر، رغم كل المفارقات التي تحفل بها حوارات ومواقف المرضى والاهل والطاقم الطبي ما يوفر مادة لا بأس بها لقصص تُروى بعد انحسار الخطر. 

كثرة رجال الأمن التابعين للمستشفى تحول دون انفلات اعصاب الأهل، وهذه أعصاب فلتت مرات كثيرة كانت تستدعي نشر رجال مسلحين اثناء الحرب، تعاملوا بما تيسر من قسوة مع اباء وامهات واصدقاء مرضى ومصابين. رجال الامن بقبعاتهم الكحلية حلوا مكان المسلحين الذين كانوا يتغيرون بتغير الجهة المهيمنة على بيروت وصار دورهم اساسي بعد اختفاء كشك المخابرات السورية عند المدخل بعد انسحاب قوات الجيش العربي السوري- مشكورة- من لبنان.

شهدتُ مشادات وصراخا وبكاء اطفال مرضى. رأيت الممرضات يتأففن من طلبات الأهالي المرافقين واطباء يتبرأون من قرار رفض استقبال مصاب لا يملك المال. وزوجات يلمن ازاوجهن على ما أصابهم جراء التدخين. عبرت فوق بول ودم وسوائل بشرية وطبية أخرى بين الغرف. لمحت نظرات الشك في عيون الممرضين واتهامات مبطنة بالمسؤولية عن حوادث تعرض لها اطفال. ومن التقاليد غير المكتوبة هنا، الامتناع عن التحديق في حجرات او اجساد المرضى الآخرين. فالخصوصية لازمة حتى في مكان مفتوح كهذا.

شاهدت اناسا يأتون بملابس السهرة الفاخرة، بدلات وربطات عنق حريرية تفك على عجل عن صدر رجال خمسينيين اصيبوا بألام مفاجئة في الصدر. سيدات بأثواب “السواريه” الطويلة يُدفعن الى الأسرة المعدنية وتعلق لهن امصال ويجري وصل اجسادهن بالات القياس الالكترونية. ومررت بعمال جيء بهم من ورشهم، رؤوسهم تنزف او ايديهم قد كسرت وبرزت العظام منها. بسراويلهم البنية البالية واحذيتهم البلاستيكية الرخصية المغطاة بغبار التراب الناعم وكسر الحصى والكلس. ووجوهم السمراء التي تعلن هويتهم السورية، في أكثر الأحيان. تخرج غالبية هؤلاء سريعا من غرف الطوارئ بما تيسر من علاجات اولية لرفض المستشفى استقبالهم مجانا. بعد افتتاح مستشفى بيروت الحكومي، يصح الحديث عن تقلص افراد هذه الفئة من المصابين في قسم الطوارئ الذي نزوره في العادة. 

لا يصعب تقسيم العاملين هنا طائفيا ومناطقيا وطبقيا. أكثرية الاطباء المتمرنين الذين يشكلون قاطرة الجر في قسم الطوارئ يظهرون كابناء أسر ميسورة من جميع الطوائف. غالبا ما يناقشون بعضهم بعضا في الحالات الغامضة التي يواجهونها وملاحظاتهم على الاطباء المشرفين، بانكليزية يفترضون ان المرضى والاهل لا يفقهونها. الممرضون والممرضات مسلمون سنة وشيعة في العادة. ثمة انطباع يخلفونه انهم يعدون انفسهم لترك هذا المستشفى للانتقال الى اماكن اخرى باستثناء الاكبر سناً. تَطلّب الاستجابة السريعة منهم عند الحاجة الى المساعدة غير متاح الا ضمن اولويات مزاجهم وتوفرهم.

واقسام الطوارئ التي عاشت تفاصيل الحروب اللبنانية، ربما تحتمل دراسات اجتماعية واقتصادية عميقة وشاملة. وقد يظهر من يستخلص من ارشيفاتها صورة لتبدلات المجتمع اللبناني على امتداد العقود الماضية ودروسا من اجل المستقبل.

لم أدخل مريضا او مصابا أي قسم طوارئ منذ ان اصابتني شظايا زجاجية من لوح سقط قربي اثناء رفعنا للماء بالحبل الى البيت في العام الثاني للحرب. انعدام حاجتي لزيارة هذا القسم لا يريحني، بل يتركني متوجسا من الأسوأ اذ يبدو لي انني الاستثناء في بيئة يشكل قسم الطوارئ جزءا من حياتها اليومية….

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s