داعش اصدق

NewsImage_153537فداء عيتاني:

نفقد ونحن نصارع طواحين الهواء معنى انسانيتنا، نفقد ونحن نقارع ابناء العشائر والطوائف الاخرى مقارعة ازلية ابدية اي وعي لوجودنا، يكتشف اللبنانيون شبكة استعباد واتجار بالبشر عن طريق الاستدراج، والعنف، لغاية استثمارها ماليا في الدعارة، ردود الفعل تكاد تكون معدومة،
اللهم ما عدا الاعلان الرسمي عن العملية “النوعية” التي ادت الى كشف الشبكة واعتقال عدد من عرابيها وقواديها وكشف اسماء بعض مدرائها.

ليس التوحش بجديد علينا، شاهدناه منذ ما قبل حربنا الاهلية في لبنان، وخلالها، وخبره السوريون في بلادهم في المعتقلات والزنازين والسراديب، وخبرته العراقيات في سوريا حين اجتاحهم الجوع في الحصار، وحين اجتاحهم الغرب في الحرب، وساد التوحش منطقتنا حتى بتنا نفقتد معنى الوجود البشري، وربما هو ما جعل العديد من السوريين يراهنون عبثا على “تدخل غربي اخلاقي” ينقذهم من توحش نظامهم.

اجتاحنا التوحش، وبات العيش معا شبه مستحيل، فرط عقد التجمعات الوطنية، فاصبح الحديث عن لبنان الواحد مثار سخرية، واصبحت سوريا قيد انملة او ادنى من تقسيم، واظهرت ثورة سوريا كل المكنونات المناطقية فيها، وباتت العشائرية سيدة الموقف، والانا المستترة بثورة الشعب اعلى من التضحيات النفيسة التي قدمها مئات الوف الشباب، وملايين المواطنين والمواطنات.

تنظيم الدولة الاسلامية الذي يعبر عن عمق ما في بيئتنا، ويحظى بتعاطف لا بأس به جرد الاشياء من اغلفتها الحديثة، او الاخلاقية، وفي اغلب الحالات جردها من اغلفتها الكاذبة، ربما غلفها باكاذيبه الخاصة، ولكنه اعترف بممارسات ما قبل الحداثة، وكرسها بصفتها مستمدة من اصوله الفكرية.

اما نحن، في لبنان فمنذ بداية الثورة السورية تهربت السلطات اللبنانية من مسؤولياتها تجاه اللاجئين كما تجاه مواطنيها، هذا التهرب الذي سماه حليف حزب الله (السني الاول بحسب ما وصف نفسه) نجيب ميقاتي “نأي بالنفس” انعكس داخليا بانتشار اللاجئين عشوائيا، وانعكس في توريط لبنان في الحرب السورية عبر فتح الحدود كلها لمقاتلي حزب الله.

اقيمت العشرات من المخيمات العشوائية، اطلقت يد منظمات الامم المتحدة للهدر والسرقة واستغلال اللاجئين دون حسيب او رقيب، تحولت الجمعيات الى شركات تبغي الربح على حساب مأساة اللاجئ السوري وقضيته، وترك الاف من النساء والاطفال والعجزة يتسولون في الشوارع والطرق وامام المساجد، كانت سياسة النأي بالنفس، التي ورثها رئيس الحكومة الحالية تمام سلام تعني ببساطة الانسحاب الكامل للسلطة السياسية من ممارسة ادنى واجباتها.

وبعد خمسة اعوام من سياسة النأي بالنفس اعلن في اليوم الاخير من شهر اذار ٢٠١٦ عن اكتشاف شبكة تستعبد السوريات خاصة من اجل ممارسة البغاء والاتجار بهن، وتحدثت المعلومات عن عمليات تعذيب وتنكيل تعرضن لها المستغلات المستعبدات، وكان الاعلان من الصفاقة بانه ذكر بان النساء يتم بيعهن بمبلغ ٢٠٠٠ دولار اميركي لشبكات اخرى بحال لم يعملن كما يجب.

لم يكلف المعلن، اي قوى الامن الداخلي، نفسه بمتابعة الامر، والاعتراف امام مواطنيه، دافعي الضرائب وممولي خدماته الامنية المتأخرة دوما، عن عدد الشبكات تلك التي لم يتم القبض على افرادها، مما يعني اننا بانتظار اكتشافات اخرى وانجازات اخرى للقوى الامنية، ستقع لاحقا بحال بقي من يذكر وصمة العار هذه.

ولكن الاعلان غير المباشر عن وجود شبكات تشتري وتبيع من بعضها بحد ذاته يفيدنا الى اي درك وصلنا، في بلادنا، في مرابع السياحة الشهيرة باستدراج النساء والفتيات من بلاد مأزومة اقتصاديا وامنيا (حينا اوروبا الشرقية وحينا العراق والان سوريا) وتحويلهن طوعا او قسرا الى البغاء او كما حال الشبكة الحالية الى عبدات بهدف جمع المال.

ثمة بنية تحتية كاملة للاتجار بالبشر، ويبدو ان الشبكة المعتقلة هي رأس جبل الجليد.

كيف يمكن لنا ان نتابع حياتنا في بلد مشابه مع بعضنا؟ وما الذي يجمعنا مع اولئك العشرات او المئات من الذين يعملون في ادارة هذه الشبكات، وحتى لا نتكاذب، فان هذه العمليات في لبنان لا بد ان تكون تحت مظلة سياسية لاحد الاطراف المذهبية، حتى لو تنوعت مذاهب العاملين فيها.

تغنى الامين العام لحزب الله، ونائبه بحماية جونيه من تنظيم الدولة الاسلامية، عبر الخوض في دماء السوريين في سوريا، محاولين استدرار العطف المسيحي على حربهم الاستباقية، وعمليات قتلهم لمواطنين سوريين انتفضوا على نظامهم بعد صبر واستسلام اسطوريين، وفي الوقت عينه فان جونيه، قلب كسروان، تعتبر من المعاقل الرئيسية لتنظيم القوات اللبنانية، المعارض للقتال اللبناني في سوريا. وربما لعبث الاقدار بهذا القائد وذاك كانت جونيه، اهم معاقل الملاهي الليلة هي مسرح ممارسات ادنى مرتبة واكثر انحطاطا من ممارسات الدولة الاسلامية لصاحبها ابو بكر البغدادي واعوانه.

تاجر البغدادي بالسبايا مستلهما تاريخ الاسلام الغابر، مارس السبي وبيع السبايا واتهم ببيع الاعضاء البشرية والاتجار بها، وهي تهمة قد يصعب نفيها عمن كان بسمعة البغدادي وتنظيمه، باع ايضا المعتقلين والمعتقلات مقابل اثمان محددة، وبادلهم مقابل معتقلين من تنظيمه، خالقا سوقا ناشطة لبيع البشر وشرائهم في سوريا والعراق.

الا ان هذه طبيعة تنظيم الدولة الاسلامية، قد انبنى على مفاهيم القتل والثأر والانتشار العنيف، واستلهم عقودا من عمليات القتل العشوائية دفاعا عن مصالح فئات مهمشة او صغرى او ثأرا لفئات فقدت كل امل اخر. قلما يخجل تنظيم الدولة الاسلامية من افعاله، لا بل يوثق اشنعها وان كان لغاياته الخاصة. وينشر افظعها استثارة للرعب، او تكريسا لمفاهيم الانتقام وجلبا للمزيد من القتلة الراغبين في المشاركة في سفك دمائنا.

مقابل البغدادي المغرق في ممارسات تاريخية، يعمل لبنانيون وسوريون (لن يكونوا بحال معزولين عن واقع بلدهم) على الاتجار بالرقيق الابيض، بغية وضعه في استثمار عام، وتحويل البشري نفسه وجسد الانسان الى اداة للانتاج المالي، لا ببيع قوة عمل، بل بتأجير الجسد نفسه.

ينتفض البعض لدى رؤية فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي عن عملية قتل قط، او تعذيب كلب، او صفع طفل، ولكن العشرات من حالات الاستعباد والاغتصاب اليومي، قد لا تكفي لتحريك حالة عامة لدى مواطنين فقدوا اي قدرة على رد الفعل المنظم، على مطالبة دولتهم بالقيام بادنى واجباتها.

وعلى الرغم من تهيئة العائلات اللبنانية لابنائها المجلين للانخراط في انتخابات بلدية واختيارية، الا ان وجود شبكات اتجار بالبشر، وسوء استغلال من منظمات الامم المتحدة للاجئين، وانتشار حالات تسول مشبوهة ومدقعة في العوز على حد سواء في كل مفارق عاصمتهم، وتعرض دولتهم الى انهيارات على ايدي ممثليها الطائفيين، وعبقرية وزير خارجية ادت الى عزل لبنان ووضعه في قلب عاصفة ديبلوماسية وسياسية، كل ذلك لا ينغص على مواطنينا هنأة عيشهم في “وحدة وطنية” وبلد سياحي واسطورة بين اقرانه العرب اصبحت اثرا بعد عين.

تتسابق القوى الامنية على مطاردة “خلايا داعش” المفترضة في لبنان، وبعد مئات عمليات الاعتقال، نكتشف ان احدا لم يحل الى المحاكم المختصة، بينما يهترئ البلد ويتفكك من عفن طاول كل مفاصله، الجمعيات الاهلية، المجتمع المدني الذي عاش ارتزاقا وخمولا قياسيين، القوى الامنية، ونخر الفساد كرسي مكتب وزير الداخلية نزولا الى الشرطي الواقف امام اشارة السير في وسط العاصمة،.

تتحول اليوم داعش الى بديل اصدق من اكاذيب حياتنا اليومية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s