طَرَبْلَسة بيروت

 

31276Image1حسام عيتاني:

رغم الاستيلاء على ميناء الدالية ومصادرة شاطئ الرملة البيضاء والامعان في هدم البيوت القديمة والقضاء على ما تبقى من أشجار وبقع خضراء الى تركيب الفي كاميرا مراقبة في شوارع
بيروت، يسود صمت المستسلم بين اهالي المدينة وسكانها.

يسهل وضع الأصوات المعترضة على المآل الحزين الذي بلغته العاصمة اللبنانية بين فكي الانقسام السياسي البائس. بل يجوز القول ان التحركات القليلة التي جاءت اعتراضا على هذه الخطوة او تلك، دفع اليها خصوم سياسيون يتحركون بدوافع سخيفة وشخصية اكثر من الايمان بفكرة المصلحة العامة. الدالية استملكها اشخاص محسوبون على تيار المستقبل. الرملة البيضاء لاحد اقرباء نبيه بري. البيوت الاثرية تأكلها برجوازية ريعية لا تجد مجالا لاستثمار اموالها الا في القطاع العقاري المصاب، أخيرا، بالجمود والانكماش. كاميرات المراقبة موضوع نزاع بين شعبة المعلومات (الموالية لأهل السنة والجماعة) وبين “حزب الله” (بقية العترة المحمدية وحامي حمى الاقليات في انطاكيا وسائر المشرق).

ثمة صامت كبير في هذا الصخب الذي ترافقه قصص الفساد المعهودة والسطو العلني على المال العام. ثمة صوت غائب عن هذا السجال الغائص في اوحال تنازُع الحصص والمغانم والفيء والانفال، هو صوت سكان المدينة، وهؤلاء لا ينحصرون بمن اصطلح على تسميتهم “اهالي بيروت” اي الصياغة الملطفة للاشارة الى أبناء الطائفة السنية الكريمة. غني عن البيان ان السنّة لم يكونوا في يوم من الايام السكان الوحيدين لبيروت، بيد أنه يمكن العثور على روابط بين التغييرات التي ألمت باجتماعهم بعد الحرب الأهلية وبين المصير الذي تواجهه بيروت.

ومعروف أن الافا كثيرة من اهالي بيروت قد تركتها وقصدت الضواحي الجنوبية التي كانت في الماضي قرى جبلية، خصوصا بشامون وعرمون وخلدة لاسباب متنوعة منها الارتفاع الهائل في اسعار الشقق السكنية مع بداية “إعادة الاعمار” في التسعينات من القرن الماضي. بديهي ان يداخل الاضطراب علاقة البيارتة المنتقلين الى القرى القريبة، بمدينتهم الاصلية حيث لم يعد يربطهم بها غير قيد النفوس الذي يستخدمونه للادلاء بأصواتهم اثناء الانتخابات النيابية والبلدية. وغالبا ما يحرك الخوف من الآخر المتمثل في “حزب الله” و”حركة امل” اتجاهات التصويت الرئيسة عند جمهور السنّة في هذه المناسبات.

من علامات الاضطراب هذه قد يكون تراجع اهتمام البيارتة ببيئة موطنهم السابق وعمرانه وجماله في الوقت الذي لا يشارك قسم وازن من سكان المدينة الحاليين في اختيار ممثليه لعدم تسجيل نفوس هذا القسم على القيد البيروتي واقتصار المشاركة في الحياة “السياسية” للمدينة على دفع ضرائب الايجارات والمؤسسات الخ.. هناك اختلال كبير اذن في معنى المدينة بالنسبة لقاطنيها الجدد من جهة وبالنسبة للمسجلين على قيدها وتركوها، من جهة ثانية. هي مكان لتصريف الوقت الحاضر من دون ان يكون له حصة من الذاكرة ولا من تصور المستقبل الذي يجب ان يكون في بلد هجرة اقدر على توفير الحياة الكريمة خصوصا للاجيال الشابة.

عليه، كان يصعب تصديق ان تُصادر مينا الدالية او يتعرض شاطئ الرملة البيضاء لعمليات بيع وشراء بعيدة عن الاضواء لو كان لهذين المعلَميْن ولغيرهما من المعالم المرتبطة بالذاكرة الجمعية للبيارتة المكانة ذاتها التي كانت تحتلها قبل عقود.

لعل الاساس في هذا الموقف هو ذلك المزيج الذي ظهر مطالع التسعينات عندما رُبطت مصادرة وسط بيروت بتركيز الموقع السني المتميز في سلطة ما بعد اتفاق الطائف. الربط ذاته استمر بعد اغيتال رفيق الحريري عندما جرى تصوير اي انتقاد للسياسات الحريرية بالوقوف الى جانب القتلة ثم تطور هذا الموقف مع تحول الخلاف مع “حزب الله” الى صراع علني مكشوف يتسم بالعنف في بعض الاحيان. دفع البيارتة ثمنا باهظا لهذه الممارسة المراهقة والرعناء للسياسة. ولعل في هذه الاسطر القليلة اختزال لمرحلة شديدة التعقيد من التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي لبيروت التي عانت مثل لبنان كله من فقدان وظيفتها بعد الحرب وفشل محاولات احيائها عن طريق المشاريع العقارية والحفلات الكبرى.

احتضار بيروت اليوم يظهر في أكثر من موقع وناحية من جوانب الخدمات والطرقات والنظافة والاكتظاظ وفوضى البناء. في وسطها التجاري المعاد إعماره، اقفلت الاكثرية الساحقة من المؤسسات التي كانت عاملة في القسم المحيط بساحة النجمة ابوابها بسبب الاجراءات الامنية المشددة وغير المبررة، في آن، التي يقال ان من فرضها يسعى الى تحقيق مكاسب معينة. وعلى بعد مئات قليلة من الامتار من ساحة النجمة يمكن العثور على ملامح حزام فقر جديد في شوارع الخندق الغميق يمتد عبر حي اللجا ليعبر كورنيش المزرعة وخط الانقسام الطائفي السني الشيعي ليصل الى احياء طريق الجديدة.

وإذا كانت احوال بيروت من هذا الجانب ما تزال افضل من شقيقتها طرابس، عاصمة الفقر على سواحل المتوسط، بحسب احصاءات دولية، الا ان العاصمة مؤهلة لانتزاع هذه الصفة من المدينة الشمالية. تدهور مستوى الحياة في العاصمة وتفاقم البطالة والفقر بالتوازي مع التوتر المذهبي يقدم وصفة ناجحة للاقتتال الطائفي متى حانت ساعته على النحو الذي ساد طرابلس بين العامين 2008 و2014.

واجتماع الأزمات السياسية والاقتصادية يثقل احوال بيروت التي لا ترى فيها الفئات المتسلطة عليها غير مورد رزق قصير المدى والنظر حيث تغيب عن الاهتمام ضرورات بقاء هذه المدينة صالحة للسكن وللاستخدام البشري.

Advertisements

فكرة واحدة على ”طَرَبْلَسة بيروت

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s