اسطنبول وبيروت: الحزن والاختناق

 

30071_600X400articlesحسام عيتاني:

في كتابه “اسطنبول” يقول أورهان باموق ان السمة المزاجية العامة
لأهالي المدينة التركية على امتداد القرن العشرين كانت الحزن. في رأيه أن اهل المدينة شهدوا سلسلة الهزائم التي عصفت بال
دولة العثمانية في أواخر ايامها ثم أرغموا على التخلي عن جزء مهم من هويتهم الثقافية والحضارية واستبدال الجزء هذا بالنزعة القومية التي جاء بها مصطفى كمال في مدينة كانت على امتداد التاريخ مركزا للتعدد العرقي والثقافي.

حزن أهالي اسطنبول الذين داهمهم التغريب على حين غرة اضفى على المدينة التي راحت تراقب احتراق بيوتها الخشبية القديمة وظهور المباني الاسمنتية بالتزامن مع اندثار عادات قديمة واختفاء سكان كانوا في زمن سابق من صميم نسيجها كالارمن والروم (اليونانيين) واليهود، اضفى عليها مناخا غرائبيا تتجاور فيه حوادث السفن في البوسفور واختفاء الاسر الغنية والتشويش الكبير في استيعاب ما جرى من انتقال من حضارة الى أخرى ومن عالم الى آخر.

يمكن للباحث عن اوجه شبه بين بيروت واسنطبول ان يعثر عليها على الرغم من الفوارق الهائلة بين المدينتين وتاريخهما وحاضرهما. مع ذلك، يصعب اليوم على أهالي بيروت الجزم في سمة الغالبة على مزاجهم. ويبدو ان المدينة التي شهدت احداثا جساما ما زالت تعاني من صدمة عميقة لم تفق منها. لم يكتب بعد تاريخ جدير بهذا الاسم للمدينة التي شهدت صراعا على كل ملامحها. ومفهوم ان يختلف “الصراع على تاريخ بيروت” عن ذاك الذي فسره باقتدار والمعية الدكتور احمد بيضون في كتابه “الصراع على تاريخ لبنان”. بيد أن هذا ليس موضوعنا هنا.

السؤال الاول يتعلق بصحة تناول الحالة المزاجية العامة لشريحة من السكان او لأهالي مدينة في فترة زمانية ما. ربما يكون المزاج العام من المسائل التي اهمل بحثها في سياق دراسة التطور السياسي والاقتصادي والسياسي للمجتمعات والدول. هل يصح الحديث عن الكآبة كعامل من العوامل المساهمة في تشكيل المشهد السياسي لبلد ما؟ ماذا عن الابتهاج كحافز على النشاط في سبيل التغيير؟ في العادة يجري التركيز على المشاعر الحادة والعارمة مثل الغضب واليأس والخوف، عند تفسير ظاهرة ما: اعمال شغب، تظاهرات، انقلاب عسكري، صعود تيار مطرف… لكن ماذا عن مشاعر اقل احتداما واكثر رسوخا واطول امتدادا في الزمن؟ التعب، مثلا؟ الترقب؟ الانتظار؟ القرف؟…

وعلى افتراض ان مزاجا مشتركا يجمع سكان بيروت، فالارجح أنه يتكون اثناء الساعات الطويلة من ازدحام السير والشعور الطاغي بالاختناق جراء اختفاء المساحات الخضراء والارتفاع غير المعقول للابنية وانتشار العوائق المعدنية أمام منازل الرؤساء والوزراء الذين ينقلون ذعرهم من القتلة المحتملين – وهؤلاء في اكثر الحالات من الحلفاء الحاليين او السابقين لقتلاهم ـ الى القاطنين قربهم او المارين قرب بيوتهم. ولعل هذا الشعور الجمعي يتشكل وسط انتظار عام بحصول أمرٍ ما يكسر ركود الوقت ودورانه على نفسه. توالي الأيام في هذه المدينة لا يعني تغير الأحوال. لقد تحول الجمود الى مكون مهم من مكونات الحياة البيروتية. لا شيء يتغير الا نحو الأسوأ: مستوى المعيشة. نظافة الشوارع. اقساط المدارس. اسعار السلع. اخلاق الناس. ضجيج ورش البناء. بشاعة المباني الجديدة. تفاهة الاعلام. سخف السياسيين وفجورهم. اضمحلال اماكن السير على الارصفة الضيقة اصلا….

الادهى أن الناس هنا يعرفون تمام المعرفة ان “الحياة في مكان آخر” على ما يقول عنوان رواية كونيدرا. وان السعي الى تحقيق أي امل او حلم او مشروع يستدعي الخروج من الدائرة المغلقة التي يعيش فيها اهالي بيروت ولبنان عموما. وان الفقر المتفاقم والجريمة المتفشية والبرم العام لن تتوانى عن الازدياد يوميا. في المقابل، يزداد العالم ضيقا باللبنانيين ورفضا لهم لاسباب كثيرة.

بعد ستة وعشرين عاما من نهاية الحرب الاهلية التي دارت فصول رئيسة منها في العاصمة اللبنانية، وواحد واربعين من بداية الحرب، لا يبدو أننا تقدما صوب تحقيق اي من المشاريع التي تقاتل حولها اللبنانيون. لم يتحقق غير تدمير المجتمع الذي كان على وشك التشكل عشية الحرب والقضاء على كل ما يمكن ان يكون فكرة قابلة للتعميم بين اللبنانيين وترسيخ انقساماتهم القبلية والطائفية. هزيمة المجتمع وانهياره هي ما نعيشه على نحو ساطع في المدينة التي كنا نأمل ان تضم مواطني الجمهورية اللبنانية، لكنها تحولت الى ما يشبه التابوت الحديدي الذي يعجز من يظن أنه عالق فيه حيا، عن الخروج منه او حتى طلب المساعدة على فتحه من اجل تنفس هواء انظف. انه اختناق المتعبين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s