التواطؤ الوطني و”نقد الشعب”

 

(الصورة نقلا عن الانترنت لوكالة رويترز)
(الصورة نقلا عن الانترنت لوكالة رويترز)

حسام عيتاني

ان يخرج المرء الساعة الثانية فجرا الى شرفة منزله متوقعا بعض النسمات الربيعية فيفاجأ بنتن النفايات المتعفنة، حادث ربما يختصر حال لبنان واللبنانيين والفارق بين توقعاتهم وصورتهم عن انفسهم وبين واقعهم الذي صنعوه بأيديهم. والأهم ان واقعة من الحياة اليومية مثل هذه تطرح سؤالا لا يجد أي مواطن جوابا يبرئه شخصيا عند محاولة الإجابة عليه: كيف قبلنا ان نعيش على غيوم روائح النفايات
وكيف أوصلنا انفسنا الى هنا؟

ليس في الوسع تحديد مواعيد هبوب روائح المطامر المرتجلة المحيطة بالعاصمة، قرب مداخلها الشمالية والجنوبية وفي بعض المساحات قرب المرفأ. ذلك أن الرائحة تختفي أياما ثم تظهر من دون أن يعلم سكان المدينة سببا لهذين الاختفاء والظهور. ربما يكون السبب تغير الرياح او اعمالا تجري في المطامر فترتفع الى السطح طبقات لم تتعرض الى الهواء واحتفظت “بخصائصها”. ولعل من المفيد اضافة فقرات الطقس على المحطات التلفزيونية فقرة توضح فيها المناطق التي سيهب عليها الهواء المسموم والملوث.

تتسم بقدر من الواقعية الاستعارات التي ظهرت في مقالات نُشرت في الاسابيع القليلة الماضية وشبّهت الروائح المنتشرة بروائح تحلل الجمهورية اللبنانية وتفكك جسد المجتمع. الجمود المندرج في دينامية الانهيار العام وما يرافقه من سيادة للتفاهة والنذالة وتبرير للفساد، والذي بات في حكم الامر الواقع المرشح للاستمرار طويلا، ستكون اثمانه باهظة وستطيح بكل مشاريع اي سلطة لبنانية عابرة للطوائف. عينة بسيطة عن هذا الاستعصاء ظهرت في فشل الحراك المدني الذي اعقب اندلاع ازمة النفايات الصيف الماضي وانتهى عمليا من دون تحقيق نتائج باستثناء تسليط المزيد من الضوء على الازمة الهيكلية للنظام وآليات الحكم.

بيد أن الاسراف في تفسير المعاناة اليومية للبنانيين لا ينفي الشراكة الضمنية لأفرادهم وجماعاتهم في المسؤولية عن الكارثة التي يعيشون فصولها المتفاقمة. وإلى جانب سنوات من النفوذ الخارجي ومن الاحتلال الإسرائيلي والوصاية السورية والصراع السعودي –الايراني الحالي، يتحمل اللبنانيون الوزر الأكبر من تبعات ما وصلوا اليه.

في العادة يبدو “جلد الذات” ممارسة مذمومة، مازوشية، يبحث فيها متعاطيها عن اللذة في الألم. لكن في الحالة اللبنانية، وربما في الحالات العربية المصابة برضة إخفاق ثوراتها، ينبغي مباشرة التفكير في “نقد الشعب”. نقد قيمه وافكاره وسلوكه ونظرته الى ذاته، إذا صح أولا الحديث عن شعب، وفق التعريفات التي قدمتها الحداثة الاوروبية. غني عن البيان ان السطور الآتية ليست من أثر “الفكر الاستشراقي” – بالمعنى الاستهلاكي الرائج- ولا من تداعياته.

2-

تقوم الايديولوجيات على منح الجماعة قدرا كبيرا من الاهمية. الشعب، الأمة، المؤمنون، الطبقة، القوم، القبيلة، الطائفة، وخلاصهم ونجاتهم ورفاهيتهم، في الدنيا هذه وفي الآخرة، هي الهدف النهائي للايديولوجيات حتى لو افتقرت الى السمة الخلاصية الطوباوية وحصرت اهتماماتها بالشأن الدنيوي.

وفي ايديولوجيا يسارية شابها الكثير من العصف السوفياتي والماوي وما زالت منتشرة بين ظهرانينا بأردية شتى، تُمنح الجماعة صفات اخلاقية رفيعة وتُنزّه عن الإثم والخطأ ويقابل في العادة أي نقد لها بتهمة العنصرية (الطبعة الحديثة من الشعوبية “التراثية”) او الطائفية او ما يدخل في هذا الباب. غالبا ما تكون هذه الاتهامات سليمة ذلك ان نقد الجماعات يقع غالبا في افخاخ التعميم والتبسيط ويخدم اهدافا سياسية. وخاطئ تماما وسم جماعة كاملة بسمة واحدة كالبخل او الجهل او التخلف، حيث تمحو هذه السمة الاختلافات الكبيرة بين الافراد وتتجاهل المسار التاريخي الذي سارت عليه كل جماعة لتصل الى حالها الراهن.

ومقابل الاتهام بالعنصرية والطائفية عندما يأتي النقد من خارج الجماعة، تأتي عبارة “كره الذات” عندما يوجه احد افراد الجماعة نقدا لاقرانه حتى باتت “كاره ذاته” تُطلق، على سبيل المثال، على كل يهودي يرفض الجرائم الاسرائيلية في الاراضي المحتلة. وتمتد هذه الصفة لتشمل كارل ماركس بسبب مؤلفه “المسألة اليهودية” وعدد من ابرز الكتاب والمثقفين اليهود الذين عارضوا الاحتلال والاستيطان الاسرائيليين.

من جهة ثانية، عندما تمنح الايديولوجيات (والاديان بصفتها ايديولوجيات قديمة) الجماعة المعنية صفات وحقوقا سيان أكانت واقعية او متخيلة، الا يفترض ان تتحمل الجماعات هذه مسؤولية الاخفاق الذي اصابها؟ الهروب الى القاء اللوم على الآخرين، على النهب الاستعماري والطغم العسكرية وفساد النخب والحروب الطويلة الخ.. لا يكفي لرسم صورة كاملة. جسامة اثر هذه الظروف واهميتها، لا تفسران كل الاخفاقات في كل الحالات. ما خلفه الاستعمار في بلد افريقي غني بالموارد الطبيعية مختلف عما تركه في المشرق العربي، على سبيل المثال. (ستكون لنا عودة مفصلة الى هذه المسألة).

3-

عند النظر في النموذج اللبناني للاخفاق، نعثر على مكوّن “غير سلطوي” اذا جاز التعبير. يتعين أولا التذكير أن “الزعامات” اللبنانية، في مختلف الطوائف، تتمتع بقدر غير قابل للاهتزاز في المستقبل المنظور من اتساع التمثيل وعمقه وبالتالي من شرعية هذه الزعامات التي تؤمن، من جهتها، الكثير من الخدمات والتقديمات المادية والمعنوية- خلافا للرواية الرثة عن تسلط القيادات السياسية اللبنانية على “الشعب”.

ثمة تبادلية بين المواطنين اللبنانيين العاديين وبين نخبهم الحاكمة. يعرف اللبنانيون تفاصيل قتال مسلحيهم في سوريا والجرائم التي يرتكبونها هناك (لم يهتز ساكن امام عرض رئيس هيئة المفاوضات العليا رياض حجاب في مؤتمره الصحافي الأخير لصورة طفل تسبب “حزب الله” في قتله جوعا ومرضا). ويعرفون اتساع الشبكة التي حمت ورعت من استعبد السوريات في بيوت الدعارة وهي شبكة لا تقتصر على مسؤولين امنيين ورسميين فقط بل تشمل الزبائن (من هم هؤلاء العشرين زبونا في اليوم الذين كانت كل واحدة من الضحايا تُرغم على ممارسة الجنس معهم؟ اين اختفوا؟ اي شريحة اجتماعية يمثلون؟) والجيران الذين كانوا يعرفون تفاصيل ما يجري قربهم ويغضون الطرف.

هناك شراكة بين اللبنانيين وحكومتهم ونوابهم و”اعيانهم” المحليين على عدم تسوية ازمة النفايات لئلا تدفع اي جماعة ثمنا لا ترتضيه لنفسها. ولا بأس ان تفشت الروائح ثم الامراض والأوبئة بين الاطفال ثم البالغين ما دامت المصالح العليا للجماعة مصانة ومحمية. اذ كيف يمكن تفسير تراكم النفايات قرب البيوت وتعثر خطط رفعها ما لم يكن ثمة أمر، مادي او معنوي- نفسي، يؤمنه للسكان من يمعن في عرقلة علاج هذه الازمة؟

(يتبع)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s