“نقد الشعب”(2): عادية التسيير الذاتي

Gettyحسام عيتاني:

تفسير سلوك الجماعات وولاءاتها وانحيازاتها كثيرا ما يقع في التعميم وينزلق الى الاحكام النمطية والصور المسبقة، وخصوصا في مجتمعات مركبة مثل المجتمع اللبناني وطوائفه.

ومن بين المدارس التي سعت في هذا المسعى، مدرسة ما بعد الحداثة ثم ما بعد الكولونيالية التي قابلتها بالنقد جهات تنتمي الى يسار أكثر التزاما بالطروحات الكبرى للماركسية. ففي حين تمضي الاولى الى التفسير الماهوي (الهوياتي) للشعوب والاثر الذي لا يوازيه اثر آخر للثقافة والارث التاريخي على سلوك وسياسات ومعاش الجماعات، تتجه الثانية الى تفسير مضاد يعطي العامل الاقتصادي الموقع المقرر في الحيز العام. بداهة ان ثمة مقولات بحثت عن توازن ما بين الحدين الأقصيين، إضافة الى ما بين المدارس المختلفة من خطوط وصل على غرار مقولات غرامشي حول جنوب ايطاليا الخ…

وعندما تركز ما بعد الحداثة/ ما بعد الكولونيالية على الطائفية لشرح حالة مجتمع ما واعطاء طابع جوهري لكل طائفة عبر التأسيس على ممارساتها الدينية وخلفياتها الفقهية واللاهوتية، تذهب الماركسية والمدارس المتفرعة منها الى البحث عن شبكات الولاء والانتفاع والزبائنية التي تنطوي الظاهرة الطائفية عليها وامتدادها الى المستوى السياسي من دون ايلاء اهتمام بالفوارق بين الجماعات او “ثقافاتها”.

يسعنا القول ان لدينا مكتبة غنية تشرح المراحل المختلفة لتطور الجماعات اللبنانية وانقساماتها وتباين مصالحها ومصادر خوفها ودلالاته. المكتبة الغنية ظلت محدودة الاثر حيث كانت الاحداث الجسيمة تحول دون صوغ رؤية متجانسة (وليست موحدة، فهذه قد تكون اشد بلاء على اللبنانيين من تعدد رواياتهم) لتاريخ لبنان وللمسارات التي اتخذها. يوحي الأثر الضئيل للأعمال المهمة التي انتشرت بين اواسط ستينات القرن الماضي واواخر التسعينات (لنشر الكتب في هذه الفترة معنى خاص ايضا)، بوجود مسافة كبيرة بين التأمل في شأن اللبنانيين وبين قدرة هؤلاء على التحكم بمصائرهم.

يصح الامر ذاته على ما نشهده منذ حوالى الاحد عشر عاما: تتصاعد التحذيرات من تفكك الدولة وتهالك مؤسساتها وانغلاق الجماعات على ذواتها وتقلص حيز التفاعل المشترك بين الجماعات وبين الافراد وصعود المظلوميات المتبادلة وظهور سلاسل جديدة من القيم والسلوك الفردي والجماعي، من دون ان تقابل هذه التحذيرات بخطوات مؤثرة لتخفيف وطأة اجواء الحرب الاهلية الباردة السائدة. وفق التفسير الذي اصطلحنا على وصفه باليساري، يبدو أن مصالح اللبنانيين لم تصبح مهددة بعد بالدرجة التي تقتضي منهم الاعتراض العملي على الوضع القائم. الفساد وازمات السياسة والنفايات والفضائح وشلل المؤسسات الدستورية، تعني في هذا المنظور ان “الدولة” تقوم في مكان قصي عن المجتمع ولا تؤثر ازماتها فيه. والعكس صحيح. 

تفاقم الازمات يستدعي تحركا عاما، تقول الحكمة التقليدية. لكننا بعد نهاية الحراك الذي اعقب اندلاع ازمة النفايات في صيف 2015 واتضاح العدد القليل من اللبنانيين الذين شاركوا فيه، والاهم من ذلك، اتضاح ضآلة الاثر الذي تركوه على “الدولة” وسياساتها، يصعب الحديث عن حراك جديد على الرغم من اتخاذ كافة الازمات التي دفعت الناشطين المدنيين الى الشارع ابعادا كارثية بعد شهور من اختفاء الاصوات المطالبة بالحلول (باستثناء بعض المجموعات المرتبطة بقوى سياسية لها توجهاتها الخاصة والضيقة).

العدد القليل لمن نزلوا الى الشارع الصيف الماضي، يقول شيئا شديد السلبية عن المجتمع اللبناني وينقل موضع الاهتمام من الفئة الناشطة محجوبة الفاعلية السياسية الى الفئة الاعرض بما لا يقاس المأتمرة بأمر قياداتها الطائفية.

اين تقع الحدود بين “الثقافي” وبين “السياسي” في سلوك الشعب اللبناني وردود فعله على معاناته اليومية من اوجه الفساد والعبث التي باتت هي الغالبة في حياة المواطنين؟ لماذا لا يتحد اللبنانيون لرفع الظلم اللاحق بهم جراء تواطؤ القوى الطائفية على مصالحهم وضروراتهم؟

اعادة انتاج النظام الطائفي ضمن آليات الفساد التي تسيرها القوى المهيمنة، مقولة قديمة من قدم النظام اللبناني. وتتساوى صحتها تمام المساواة بالعجز عن الخروج منها او كسرها، ما يترك الانطباع باستفادة قسم كبير من اللبنانيين من هذه الآليات ومن هذا النظام.

ولعلنا لا نبالغ كثيرا بالقول ان اللبنانيين اظهروا في العامين الماضيين اللذين بلغ فيهما شلل المؤسسات أوجه من خلال الاختفاء العملي لرئاسة الجمهورية وللمجلس النيابي، أظهروا قدرة مدهشة على تدبر شؤونهم الحياتية (التي تزداد بؤسا، لا ريب في ذلك) في غياب العديد من المواقع التي تدعيها الدولة لنفسها. تماسك بعض الاجهزة والمؤسسات الاساسية واضمحلال الدور السابق للبنان كساحة للصراعات الخارجية، اديا دورا مهما في الحفاظ على السلم الهش القائم اليوم.

بذلك تكون “طوائف الحد الاقصى” حلت مكان “دولة الحد الادنى”. اي ان أداء الطوائف عبر ممثليها الاساسيين دور حامي الجماعة والمدافع عنها وعن مصالحها، سواء بالسلاح او باستغلال الخوف من هذا السلاح او بالسيطرة على مؤسسات الدولة او باستغلال الخوف من هذه السيطرة الخ… قد أزال الحاجة الفعلية الى “الدولة” ما دامت بقايا هيئاتها ومياهها وكهربائها وهاتفها وجبايتها وموظفيها تقوم بما يكفل دوران عجلة الحياة اليومية.

هذه الحياة اليومية بتكرار وقائعها تكتسب صفة العادية او الطبيعية، حيث يبدو أن ما من شيء سيظهر في الافق وان تتابع الايام على فراغها وعلى الوانها الباهتة هو “الطبيعي” مثله مثل فساد الادارات وانتشار العنف والتهديد ومداهمة مخيمات اللاجئين السوريين والعثور على جثث مصابة بأعيرة نارية بمعدل واحدة في اليوم….

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s