من وحي البلديات: التعاقد كشرط للتمثيل


حسام عيتاني:
Lebanon

منذ 800 عام وقع ملك انكلترا جون والاقطاعيون المتمردون عليه “الميثاق العظيم” او الكبير (Magna Carta) الذي تأسس عليه كل مفهوم التعاقد بين السلطة السياسية وبين المواطنين في الدولة الحديثة.

إضافة الى فرض حدود على اعتباطية الحكم الفردي الملكي، أرست الوثيقة التي مرّ تنفيذها والعمل بها بصراعات وأزمات طويلة، الشرط الشارط للشراكة الفارض هيمنته على كل ما يتعلق بالدولة: الضريبة مقابل الشراكة في السلطة. فلا يحق لأي سلطة تحصل على اي نوع من الضرائب من المواطنين (وفي مراحل اولى من الاقطاعيين) ان تمارس هذه الجباية من دون تقديم مقابل يتجاوز الحماية الجسدية البسيطة لتصل الى المشاركة السياسية. غني عن البيان أن هذا الشرط لم يظهر بهذه الصيغة الواضحة سوى بعد اعوام طويلة من توقيع الوثيقة المذكورة وبعدما رسخ في انكلترا اولا، نهج المشاركة في السلطة على اثر ثورة كرومويل وطروحات لوك وهوبز.

الضريبة مقابل الشراكة، واحد من أسس أي نظام تعاقدي تطور في وقت لاحق ليشمل التوافق الاجتماعي الذي تحدث عنه جان جاك روسو في نظريته الشهيرة عن العقد الاجتماعي. لكن الأساس الصلب والفج للفكرة يكمن في ان الخروج من دولة العصبية والجباية والحماية (وهذه ميزات دولة ما قبل الحداثة وقد فسرها بألمعية ابن خلدون في مقدمته)، نحو دولة المواطن، يمر حكما عبر تقاسم واضح للحقوق والواجبات بين الفرد وبين السلطة الحاكمة، يقوم على “دفع” المواطن ثمن خدمات مفهومة ومحددة تقدمها السلطة، أولها وأبسطها الحماية الجسدية. لذلك، يحصل ضحايا الهجمات الارهابية والعمليات العسكرية على تعويضات مادية من السلطات ما يمثل نوعا من عقاب لهذه الاخيرة على فشلها في اداء المهمة التي كانت تحصل بموجبها على ضرائب من الضحايا. هذا على سبيل المثال لا الحصر.

والشيء بالشيء يذكر ان بعض الباحثين يربط بين حماية المافيا الصقلية التي توفرها مقابل الخوات التي تحصّلها من السكان او اصحاب المصالح، بالشكل الأولي والبدائي للدولة حيث تبدو المافيا (وكل التشكيلات العصابية المشابهة في الاماكن الأخرى) بقايا دولة لم يسلم منها الا شكلها الأبسط: المال مقابل الحياة.

مهما يكن من أمر، انتقلت فكرة التعاقد بين السلطة والرعايا من التعامل مع جماعات على غرار البارونات الثائرين على الملك جون الذين كانوا يدفعون الضرائب عن ممتلاكاتهم بما فيها الفلاحين العاملين في اراضي اسيادهم، الى مرحلة التعاقد الفردي بين المواطن والسلطة وذلك عبر مخاض طويل نجمت عنه ما يصطلح على تسميته الحداثة الاوروبية، شكلت ثورة كرومويل ثم الثورة الفرنسية وفكرة رسم الحدود بين الامارات والدول والمكوس على التجارة الخارجية والداخلية الخ… محطات مهمة في تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة.

في العالم العربي، لا يبدو أننا ابتعدنا كثيرا عن فكرة دولة الجباية (ثم التوزيع في دول الريع النفطي)، التي تتعامل مع المواطنين كجماعات ذات ولاءات “وسطية”، بحسب التعبير الذي استخدمته الثورة الفرنسية اثناء صراعها مع الكنيسة لحل الكيانات الفاصلة بين المواطن والدولة. (لقراءة مفصلة عن آليات عمل وسيطرة الدول العربية يمكن العودة الى دراسة الراحل نزيه الايوبي “تضخيم الدولة العربية”). 

وفي لبنان، اعاد اتفاق الطائف التعاقد بين المكونات التي تصارع ممثلوها في سلسلة معقدة من الحروب الاهلية. دفع التعاقد على النحو هذا فكرة المواطن المنتمي الى كيان سياسي واحد هو الوطن لا يمر بالكيانات “الوسطية” دفعها الى الوراء حتى كاد يخنقها. ومنذ التوصل الى الاتفاق حتى اليوم، اي بعد أكثر من ربع قرن، ما زالت الطوائف هي العنصر السياسي في الاجتماع اللبناني فيما المواطن الفرد ممنوع من التعبير عن رأيه المستقل. ينضم هنا عامل يزيد استقلال المواطن عسرا هو ارتباط المصالح الاقتصادية بمنظومة الولاء الطائفي. وجلّ هذا معروف وجرى تناوله بالتفصيل في العديد من المؤلفات التي صدرت بعد الطائف.

واليوم، تعيد الانتخابات البلدية السؤال عن الأساس القانوني الذي يقوم عليه تمثيل المواطنين في الهيئات المنتخبة. ذلك ان مهزلة كبرى ترافق كل استحقاق انتخابي من دون أن تنال ما تستحق من نقد ودراسة. معلوم ان المقترع اللبناني يدلي بصوته في مكان سجل قيده. ولا يهم اذا كان الناخب لا يعلم شيئا عن احوال هذا المكان او لم تعد تربطه به اي صلات على غرار مئات الاف اللبنانيين المقيمين في غير اماكن سجلهم. وتُجمع القوى الطائفية اجماعا لا نظير له على رفض تعديل هذا الواقع بحيث ينتخب المواطن في مكان اقامته وعمله وحيث يدفع ضرائبه وتصر على ربطه بالمكان الذي تستطيع فيه اعادة انتاج نفسها في إطار السيطرة الطائفية واستخدام علاقات الولاء التقليدية والزبائنية في التعامل مع الناخبين، كجماعات وليس كأفراد احرار.

وعلى الرغم من توافق هذا النوع من الممارسة السياسية مع الدستور اللبناني، الا ان ذلك لا ينفي، أولا، ان الدستور ذاته بات متخلفا وتتناقص بمرور الاعوام صدقية تصويره للعقد الاجتماعي بين اللبنانيين. وثانيا، ان الاصرار على الاقتراع في مكان سجل القيد، يدفع المزيد من المواطنين فاقدي الرجاء في تغيير اوضاعهم عبر صناديق الانتخاب الى خارج العملية السياسية وبالتالي خارج الحياة العامة ما يعزز الهوامش الفاقد للفاعلية ويترك المتن تحت سيطرة “البيوتات” والعائلات السياسية الطائفية على تعدد اشكالها. ثالثا، تفترض أي نظرة جدية الى الاصلاح الانتخابي ليس فقط البحث في الدوائر والنسبية، بل خصوصا الارتباط الوثيق بين مصالح الناخب وبين قدرته على الدفاع عن هذه المصالح ضمن العملية السياسية الديموقراطية وليس استجابة لفتوى من هناك ودعوة من هنالك. بكلمات ثانية، القدرة على جعل الآلية الانتخابية تسير في اتجاهين: فهي في الاتجاه الاول تفويض من الناخب للمثل وفي الاتجاه الثاني، رقابة ومحاسبة من الناخب للممثل. عندنا لا يفهم ممثلونا الافاضل غير الاتجاه الاول معتمدين على كبح كل حق في المحاسبة على التهويل والترهيب الطائفي وما شاكل من وسائل خبرها سكان هذه البلاد.

اذا، التبادلية والتوازن شرطا التعاقد بين الناخب وممثله. هذا من بداهات البناء السياسي واسسه الغائبة في لبنان. وعلى الرغم من هذه الاسس نتساءل لماذا تهدد اضعف الرياح والانواء بهدم البناء فوق رؤسنا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s