التغيير لا يمر من هنا

baladiyeفداء عيتاني:

مع نهاية الحرب الاهلية، خرج التيار العلماني، والاحزاب التي لم ينعم الله عليها بتمثيل طائفي او برضى المخابرات السورية الى هامش الحياة السياسية، كانت نهاية الحرب انتصارا للخيار الوطني العربي التقدمي الذي رعته سوريا وقاتلنا تحت رايته، ولكن من دون ان نرى البلاد كما كنا نطمح ان تكون، فلا الفقراء لهم رعاية اجتماعية، ولا الوطن حر ولا الحياة السياسية تعتمد المداورة السلمية في السلطة والحكم، ولا القوانين تحدثت، ولا سمح لاي من اشباهنا بالعمل السياسي بالمعنى الواسع.

سادت الطوائف، وكان لسان حالنا الذي يلوك اليأس يقول: لا بأس، فقد خضنا معارك مشرفة ولم نتلوث، وهي مرحلة اخرى لا بد من القتال فيها بادوات ثانية وتحالفات مختلفة.

طبعا انهارت الاحزاب، وتم تدمير النسيج الاجتماعي في البلاد، وساد توافق اميركي سعودي سوري قاتل، انهت المخابرات السورية الحياة السياسية، والاعلام وسيطرت مع شركائها اللبنانيين على كل مفاصل الحياة، وكان اللبنانيون اشد حماسة لحكم المخابرات السورية من المخابرات نفسها، حيث وفر ذلك على القيادات السياسية ضرورات الحوار وضبط القواعد وتكبد الكثير من الخدمات لكوادر، ونقاش النقابات والتقديمات الاجتماعية، وفر عليهم كل ذلك، ووضعوا الناتج بينهم وبين ضباط النظام السوري، واختموا خلف قمع النظام لاي تحركات مطلبية او خطوات سياسية.

وكانت الانتخابات النيابية للعام ١٩٩٢، حيث ساد التزوير بشكل فاضح، ما دفعنا ايضا للتفكير بروح رياضية، ليس المهم الربح، المهم المشاركة، والتأسيس لمعارك اخرى انجح تمثل رؤية تطورية ما للبلاد، مع تكريس المواطنة وسيادة القوانين مقابل الانتماء الطائفي وسيادة المحسوبيات.

وبين العام ١٩٩٣ و١٩٩٦ مرت حربان خاطفتان على لبنان، لم تعطلا الحياة السياسية الشكلية، وكنا في كل مرة، اترابي وانا نحاول الانخراط في اليات العمل السياسي المرسومة بدقة، طبعا الى جانب المعارضة، وفي كل مرة كنا نصل الى النتيجة عينها، الخسارة محتومة، حينا تزويرا وحينا في سياسة تحالفات دقيقة بين الطوائف المتنازعة، وحينا تدليسا دستوريا، ولكن دائما دون امكانية محاسبة، وفي كل الاحيان ايضا بموافقة شعبية عارمة على انتخاب واعادة انتخاب وتجديد اعادة الانتخاب للقيادات المذهبية نفسها لتكون ممثلة الجمهور اللبناني العريض في كل المجالس والمحافل.

ثم اتت الانتخابات البلدية العام ١٩٩٨، وكانت ام المعارك البلدية في بيروت، ونجحت المعارضة في خرق لائحة رفيق الحريري برئيس لائحة المعارضة عبد الحميد فاخوري، الذي جلس وحيدا مسكينا في اجتماعات مجلس البلدية بين ٢٣ عضوا اخرين بالكاد اعطوه الدور بالكلام، الا ان المهم كان ان هذه المعركة تؤسس لمعارك اخرى، وهي اثبات قوي على ارادة الناخب البيروتي، ومواجهة المال السياسي، والحشد المذهبي، وان المشاركة اتت بنتائجها الرائعة.

ثم انتخب اميل لحود رئيس للجمهورية، وتوالت المصائب، وخاضت المخابرات السورية معركة بوجه المخابرات السورية في بيروت في ظل تشابك الاوضاع السورية الداخلية بعد بداية حكم بشار الاسد، وموت والده حافظ، وسعي كل تيار الى اثبات قدراته وتحصين مواقعه.

طبعا المعارضة شاركت، وانتخبت وفشلت، الا ان المهم كان المشاركة نفسها التي راكمت لدى المعارضة المزيد من الخبرات، والمعرفة.

وحتى لا نغرق في التفاصيل، راكمت ايضا المعارضة كمية هائلة من القدرات والمعرفة والمعارك العام ٢٠٠٥، تحت قيادة منشقين عن المخابرات السورية والنظام السوري في مواجهة من تم تكليفهم بالنيابة عن وجود الجيش السوري في لبنان.

واختصارا ومع بداية الربيع العربي قامت موجة من المحاولات الجادة والحراك الشبابي بالتظاهر تحت عنوان اسقاط النظام الطائفي، اسس لحالة من الاحباط لاحقا، على الرغم من الدلالات العميقة التي وصل اليها الناشطون، والاهمية القصوى للمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية، بقيادة اغلب كوادر حركة امل ممن كان لهم ماضى مجيد في اليسار اللبناني.

ثم ولحجج مختلفة تم التجديد للمجلس النيابي، والتمديد، وتأجل انتخاب رئيس للجمهورية، وقامت حركة احتجاج واسعة في الشارع تحت مسمى “طلعت ريحتكم” رفضا لاغراق البلاد في النفايات لخلاف اركان المحاصصة المذهبية على تقاسم اموال صفقات النفايات. وهنا مرة اخرى كانت تجربة ومحطة تؤسس لما بعدها وتراكم كما كبيرا من المعرفة والخبرة.

واخيرا وصلنا الى محطة انتخابات بيروت، التي لسبب مجهول كانت الاهم في ذهن الناشطين والناشطات، وخيضت كأنها معركة العصر، وثورة على الواقع المتردي، بعد اكتشاف الفوز الكامل للائحة، بشرنا سلفا وزير الداخلية وقبل اسابيع على بدء الاقتراع بانها ستفوز حتما.

بغض النظر عن التحليلات والمعطيات والمعاني الظاهرة والخفية للنجاحات والاخفاقات الانتخابية، لا بد من ملاحظة امر واحد على الاقل: لقد مر ما يزيد على ربع قرن منذ نهاية الحرب الاهلية، لم نتقدم فيه خطوة واحدة. ومع احترامي لمن ضحى وعمل وتطوع ونشط وتظاهر وتعرض للضرب والاعتقال والاهانة، الا ان احدا لم يهز تركيبة الزعامات الطائفية، ولا المعادلة القائمة، ولم يكن هناك ادنى شك بامكانية هزيمة لائحة السلطة في بيروت، التي تعود في كل مرة لتؤكد انها سلطة طوائف، وانها دائما تتحالف مع بعضها (كما حصل يوم التحالف الرباعي في انتخابات العام ٢٠٠٥، حيث سار القاتل والقتيل جنبا الى جنب نحو المجلس النيابي راضين مرضيين)، وان اي تقدم في هذه البلاد، وفق قوانينها المتغيرة دائما هو محض وهم.

ان طريق التغيير من الواقع الحالي، الى حد ادنى من احترام القوانين (الحالية وعلى الرغم من تخلفها) لا يمر من هذه الطريق التي انقضى ربع قرن ونحن نحاول السير عليها. فمن يحكمنا اليوم من ممثلي المذاهب سعداء تماما بما نفعل، ومواجهة اي تطور تتم عبر جمهورهم الواسع، الذي لا ينفك يعيش سعيدا في كنف رعايتهم، وخائفا من الاخر.

العدة المعرفية التي نمتلك قد بليت، معرفتنا بشعبنا مضللة، رؤيتنا لانفسا كاذبة مع تضخيم في الانا، فهمنا للبلاد وناسها قاصر. النتيجة ان نظرة الى الخلف تشير الى ربع قرن مضى عبثا، وبلادنا تترنح بين النفايات والحرب الاهلية دائما.

ملاحظة: ليس في ما سبق دعوة للاحباط، بل للكف عن العبث.

Advertisements

فكرة واحدة على ”التغيير لا يمر من هنا

  1. مقال موضوعي فيه كل الوقائع، وافضل ما فيه انه ينتهي بدعوة الى عدم الاحباط وان كانت الوقائع محبطة جدا. والذي اعجبني ان المقال تنزه عن اي محاولة لتحميل الشعب مسؤولية الوضع (كما دائما يفعل الكثيرون عندما لا يتجاوب الشعب معهم.)، ربما لان هذا الشعب لا يرى خلاصه على يد هذه التيارات التي تدعي ذلك، ربما لانه لا يثق بهم.

    المسآلة الواضحة عندي ان المواطنون البسطاء طينة طيعة تتشكل مع الواقع الممكن على مرارته احيانا لتآمين مصالحهم الانية، فلا يجوز لومهم على غريزة البقاء. ولكن المشكلة ان هذه التيارات لا ترى ذلك، وبدلا من كسب هذا المواطن الى جانبها بمشاريع بسيطة وخطوات ابسط، تراها تكبر الحجر وبالتالي تسبب له الهلع من انهيار المنظومة التي تعود عليها وتكيف معها. فيتعامل مع محاولات التغيير هذه اما بالرفض، او بالتشكيك، او اسوآ من هذا كله باللامبالاة . وينتهي الامر بنا بالقاء اكثر التوصيفات بشاعة على هذا الشعب المسكين الذي لم يرى ما نراه ولم يرد ما اردناه له. لا نريد ان ندرك ان هذا المواطن المسكين الفاقد للامل وصل الى مرحلة من اليآس يفضل فيه فتات مضمون على شبع مآمول.

    اذا كنا كلنا مدركين البديهية الناصعة ان وقوف الشعب وعديده الى جانبنا هو حجر الزاوية في اي محاولة تغيير، فان التغيير يعتمد اول واخيرا على هذا الشعب. هنا يبقى السؤال الاساس الذي يجوز ان نطلقه مرة اخرى للخروج من مآزقنا المتكرر: ما العمل؟ ما العمل لنكسب هذا الشعب؟

    وبمنطق السوق، كيف نسوق السلعة التي نحملها لهذا الشعب ليشتري منا؟ حتى الان هو يستنكف عن يضاعتنا ويرفض ان ياكل من يدنا. وبلغة السوق ايضا وايضا، عندما نتعلم لغة هذا الشاري ونصل الى يوم يرى في ما نقدمه خيرا له ويقتنع به، عندئذ نبدآ بالفوز.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s