المتنبي – حافظ الشيرازي: شاعران من عالمين “إسلاميين”

gardenحسام عيتاني:

لفت انتباهي اثناء قراءتي كتاب شهاب أحمد “ما هو الإسلام”[1]، تفصيله الأثر الهائل الذي تركه ديوان حافظ الشيرازي على القسم من العالم الاسلامي الممتد من “البلقان الى البنغال” ويضم شعوبا تركية وفارسية وهندية وبوسنية وغيرها، موزعة على انتماءات مذهبية مختلفة.

بحسب أحمد، أثّر الديوان على هوية وثقافة
الشعوب هذه لمئات الأعوام منذ وفاة الشيرازي في 1390 وترك علاماته على سلوك افرادها ورؤيتهم الى العالم ومعاملاتهم اليومية وتذوقهم للفنون والآداب وموقفهم من الحياة عموما.

يرسم الكاتب الطريق بين فلسفة “الحكماء الثلاثة” (ابن سينا والسهروردي وابن عربي) الذين حددوا الملامح الكبرى لفلسفة الاشراق (وهي التي كان محمد عابد الجابري قد شنّ هجمات ضارية عليها وحملها مسؤولية انتشار الظلامية واستقالة العقل العربي – الاسلامي بالتعاون مع الغزالي عدو الفلسفة والفلاسفة جميعا)، وبين قصائد غزل الشيرازي التي تُلقى في الغالب في مجالس الشراب ويتداخل فيها الحب الجسدي مع الحب العذري مع الوله الصوفي، في سياق ممارسة يوضح الكاتب “إسلاميتها” وانتمائها الى الفضاء الثقافي الاسلامي الذي شهد ظهور “مذهب العشق” مذهبا إسلاميا سادسا الى جانب المذاهب السنية الأربعة المعروفة والمذهب الجعفري. وهذه واحدة من طروحات الكتاب الأساسية التي تعتبر ان الإسلام ليس فقها وعلم كلام وخلفاء فحسب، بل ايضا ثقافة وحضارة احتوت على الكثير مما يتعارض رأسيا مع اي تعريف ضيق للإسلام كدين وممارسة دينية. اذ كيف يمكن تفسير انتشار “مجالس العشاق” الصوفيين- الدنيويين حيث تدور دنان الخمر في ظل سلطات سياسية واجتماعية تتبنى الاسلام المحرّم للمسكرات؟ وكيف يمنع الاسلام الرسم والنحت فيما كانت تُعبر الكتب الموشاة بالرسوم افخر الهدايا التي يتبادلها السلاطين وكبار الوزراء والمفتين بين اصفهان واسطنبول؟ الخ…

اعترف ان لا إحاطة لي تُذكر بشعر الشيرازي الذي تُرجم ديوانه الى اللغة العربية أكثر من مرة. ويبدوDivan_von_Hafiz لي أنه اقل شهرة بين العرب من سابقه عمر الخيام الذي انتشر ديوانه انتشارا واسعا في البلدان العربية وغنت له أم كلثوم واحدة من قصائده المُعربّة ربما تكون ساهمت في زيادة شهرته. وأظن ان كثيرا من العرب لا يبدون اهتماما بالثقافات التركية والفارسية القديم منها والحديث لاسباب لا مجال لتناولها ههنا. إذ أن عدد المتخصصين العرب باللغتين التركية والفارسية ناهيك عن المتكلمين بهما اقل بما لا يقاس من دارسي اللغتين الفرنسية والانكليزية على سبيل المثال.

لكن المسألة التي اود الإشارة اليها هنا تتعلق بشاعر آخر ربما يكون قد ساهم مساهمة مشابهة في ضخامتها لتلك التي قدمها الشيرازي الى الشعوب الاسلامية (بالمعنى الثقافي للكلمة) “بين البلقان والبنغال”، واقصد به المتنبي طبعا.

من المقررات المدرسية الى الامثال والحكم، مرورا بالبطولة والقتال الملحمي يحضر أبو الطيب حضورا طاغيا في اوساط كل باحث عن مرجع في التاريخ للفرد الحكيم الشجاع المخذول والساعي الى المجد في آن. اما اشكالية علاقته مع السلطة، فما زالت في كثير من وجوهها نموذجا حيا على علاقة المثقف العربي بالسلطة الحاكمة حيث تنتقل مفردات الارتزاق والتزلف والوفاء والصدق، سواء بسواء، من عصر المتنبي الى ايامنا هذه انتقالا يضارع في سلاسته انتقال حديث مُستأنف من العشية الى ضحاها.

عاش المتنبي قبل حافظ بأربعمئة عام في حقبة لم يكن بعد العالم الاسلامي غير العربي قد استوعب تماما صدمة الفتوحات العربية وانهيار الامبراطوريات القديمة. كان هذا العالم لا يزال يعيش في “قرني السكوت” بحسب عنوان المؤرخ الايراني عبد الحسين زرين كوب الذي فسّر (من دون ان يخفي العداء للعرب) وضع المجتمع الفارسي بين الفتوحات وبين ظهور “الشاهنامه” للفردوسي التي تشكل عن حق اول رد ثقافي على الفتوحات العربية. في هذه الفترة لم تكن بعد الكيانات السياسية الايرانية (ونقصد بـ”الايرانية” هنا مجموع الشعوب التي تتحدث بصيغ مختلفة من اللغة التي تشكل الفارسية عمودها الفقري)، قد اشتد عودها لتعلن انفصالها العلني عن الخلافة العباسية بعد، على رغم ظهور عدد من الامارات شبه المستقلة والتي مدح المتنبي، بالمناسبة، واحد من ملوكها، عضد الدولة البويهي.

قدم المتنبي صورة معقدة عن العربي صاحب الحساسية العالية لكرامته لكن المستعد لعقد التسويات في شأنها في سبيل طموحاته. لكن هذه الصورة تظل، على ما أظن، هامشية أمام الأثر الذي تركه المتنبي على مجمل الثقافة واللغة والسلوك في العالم الاسلامي العربي الذي تكرس انفصاله عن العالم الاسلامي شرقي الخليج شماله، بعد الغزو المغولي حيث انهارت الخلافة العباسية فيما عادت الدول الفارسية الى الحياة عبر عمليات معقدة بالتماهي حينا وبالتصارع حينا آخر مع المغول. بيد أن الفاصل القديم بين العالمين قد تعمق وبتنا شهود على مسارات شديدة الاختلاف. واحد مملوكي في الشام ومصر والحجاز، وآخر “متفرس” ثقافيا في ايران وما وراءها. عالمان لم يعودا الى اللقاء الا مع الفتح التركي لشرق المتوسط في 1515-1517.

الثقافة التركية العليا كانت شديدة التأثر، على ما هو معروف، بنظيرتها الفارسية. وما زال التداخل قائما الى اليوم على الرغم من “التتريك” وحملات حذف الكلمات والمصطلحات “غير الاصيلة” (التركية- العربية- الفارسية) التي بدأت منذ مطالع القرن العشرين في تركيا وايران، لتعود دعاوى النقاء العرقي والثقافي، لتهمين على هذه المنطقة من العالم.

لعل حافظ الشيرازي وابو الطيب المتنبي، يمثلان واحدا من وجوه الاختلاف العميق بين ثقافتين وحضارتين كليهما “اسلامي” بمعنى ما. وكلاهما ينظر بعيدا عن جاره وشريكه في الانتماء.

[1] -Shahab Ahmed – “What Is Islam? – The Importance of Being Islamic”- PRINCETON UNIVERSITY PRESS – 2016

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s