مقبرة الجنرالات: همداني وسرغون وبدر الدين

بوتين الاسد وسرغون
بوتين الاسد وسرغون

فداء عيتاني:

فجأة، في الثالث من كانون الثاني ٢٠١٦، يموت الجنرال الروسي ايغور سرغون (٥٨ عاما) بعد اسابيع من ارساله من بلاده الى سوريا.

هناك من يقتل الجنرالات باصرار في محور الممانعة والمقاومة على الجبهة السورية.

الجنرال الروسي سرغون هو نائب قائد القوات المسلحة وقائد جهاز المخابرات العسكرية في الجيش الروسي، وموفد من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى سوريا لاجراء مباحثات مع الرئيس السوري بشار الاسد.

بحسب الصحافة الغربية فان الجنرال موفد من اجل الطلب من بشار الاسد التنحي، وسط الاستعداد لبدء جولات مفاوضات جنيف. المسوؤلون الروس نفوا الامر، ولكنهم ايضا لم يحددوا سبب الوفاة ولا مكانها، الصحف البريطانية وخاصة “الاندبندنت”[1] قالت ان الرجل قتل في بيروت، بينما موقع “ستراتفورد”[2] الامني الخاص يعتبر ان سرغون مات في لبنان ليلة رأس السنة ٢٠١٦.

بينما كاتب واحد تمكن من التحدث عن الامر ووجه اصبع اتهام مباشر، انه جان عزيز الكاتب في جريدة “الاخبار” الممولة من حزب الله والمؤيدة للنظام السوري، وهو ينقل عن ديبلوماسي (لا يشير الى جنسيته) مقيم في لندن رواية حول دور تركي في قتل الجنرال الروسي.

مقبرة الجنرالات

 

index
همداني

واحدة من عجائب الحرب السورية ان البلاد تحولت الى مقبرة تستهلك الجنرالات بقدر ما تستهلك الجنود، ليس مبعوث الرئيس الروسي وحده من قضى بشكل مريب في سوريا (او لبنان) ولكن ايضا العشرات من الجنرالات من جيش النظام السوري، والحرس الثوري الايراني، وحزب الله اللبناني والروس.

ولكن ان يموت جنرال روسي بهذه الرتبة فجأة في لبنان، بعد اسابيع من ارساله الى سوريا وتعلن الصحف الغربية (نقلا عن اجهزة مخابرات) انه كان في مهمة لاقناع بشار الاسد بالتنحي، استغرقت كما يبدو وقتا طويلا، وباءت، بحسب مسار التفاوض في الاشهر الخمسة التالية على مقتل سرغون، بالفشل، فان ذلك لا بد ان يدفع الى مراجعة للجنرالات الذين قضوا في سوريا.

القاعدة كانت وحتى التدخل الروسي ان كل طرف يدخل الى ارض المعركة يبدأ من سبقه بفقدان جنرالات وقادة في ظروف غامضة.

في شهر شباط من العام ٢٠١٥ ومع فشل قوات الهازارة الافغانية والحرس الثوري الايراني وحزب الله في اسقاط مناطق مثلث درعا- القنيطرة – ريف دمشق، عمد الحرس الثوري الى الدخول الى مواقع للجيش السوري في الصنمين واهمها الفرقة التاسعة، واللواء 79 والامن العسكري، واعدموا ميدانيا ١٢ ضابطا من الجيش السوري بتهمة الخيانة والتعامل مع العدو.

في تشرين الاول من العام ٢٠١٥، ومع بدء التدخل الروسي، بدأ الجنرالات الايرانيون بالتساقط، وسجل الى منتصف الشهر مقتل خمسة من الجنرالات[3]، منهم: عزة الله سليماني، حسين همداني وهو احد ابرز قائدة الحرس الثوري، فرشاد حسوني زاده، وحميد مختار بند، وايمان خوزاي.

ومنذ ذلك الحين بدأ الضباط الايرانيون يتساقطون كالذباب، ويأتي نعي كل منهم لسبب مختلف، من مواجهة داعش الى جبهة النصرة الى غيرها من المعارك، او المواجهات والكمائن في مناطق مختلفة من سوريا، الى ان سقطت خان طومان بيد الثوار وجبهة النصرة، وحاولت قوات الحرس الثوري والقوى الملحقة بها استعادة المنطقة عدة مرات وفشلت، حينها اتهم الروس بانهم تركوا ١٣ من ضباط الحرس الثوري يسقطون عبر عدم تقديم الدعم الجوي اللازم.

طبعا تكفلت المعارك بجزء من هذه الخسائر، كما تكفل الطيران الاسرائيلي باغتيال عدد من الجنرالات

ايمان خزاي
ايمان خزاي

الايرانيين وربما اهمهم الجنرال محمد علي الله دادي الذي قتل الى جانب جهاد مغنية (ابن عماد مغنية القائد الجهادي الاسبق في حزب الله) في كانون الثاني العام ٢٠١٥. كذلك مقاتلوا الجيش الحر وتنظيم الدولة الاسلامية تكفلوا بقتل عدد اخر.

الا ان حرب الجنرالات الباردة تدور في سوريا منذ ان دخل حزب الله، والحرس الثوري الى تلك الارض، وفي الفترة التي اتضحت فيها معالم فشل تمدد الحرس الثوري في جنوب سوريا، انهيت فيها حياة رستم غزالة بشكل غامض رسميا، على الرغم من كل التسريبات التي افادت باسباب مقتله وخلفيات اعتراضه على وجود وممارسات حزب الله في سوريا.

وفي العام ٢٠١٣ اغتيل القائد في حزب الله حسان اللقيس[4] امام منزل زوجته الثانية في الضاحية الجنوبية، واعلن حزب الله مسؤولية اسرائيل، بينما نفت اسرائيل ضلوعها في عملية قتله.

سوريا لايران ام لروسيا

 

بدر الدين
بدر الدين

في ١٣ ايار اعلن حزب الله مقتل قائده العسكري مصطفى بدر الدين، جنرال اخر يرحل بشكل لا يقل غموضا عن الباقين، وجاء في بيان حزب الله الثاني حول مقتل بدر الدين بان نتيجة التحقيق تشير الى “أن انفجاراً كبيراً استهدف أحد مراكزنا بالقرب من مطار دمشق الدولي، ما أدى إلى استشهاد الأخ القائد مصطفى بدر الدين (السيد ذو الفقار) وإصابة آخرين بجراح. وسيعمل التحقيق على تحديد طبيعة الانفجار وأسبابه، وهل هو ناتج عن قصف جوي أو صاروخي أو مدفعي، وسنعلن المزيد من نتائج التحقيق قريباً.”

وبالتالي فان الحزب وجه الانظار واشار سلفا الى مقذوف وليس عبوة ناسفة او سيارة مفخخة، كما حصل مع عماد مغنية في دمشق. الا ان البيان اشار الى انفجار كبير. وهو الامر الذي سينفيه البيان التالي الذي تحدث عن نتائج التحقيقات وقال ان بدر الدين قتل بقذيفة حيث جاء في بيان الحزب التالي يوم ١٤” ايار ان الإنفجار الذي استهدف أحد مراكزنا بالقرب من مطار دمشق الدولي والذي أدى إلى إستشهاد الأخ القائد السيد مصطفى بدر الدين، ناجم عن قصف مدفعي قامت به الجماعات التكفيرية المتواجدة في تلك المنطقة”.

على افتراض ان القصف المدفعي لم يكن يستهدف بدر الدين فلا شك بان “القوى التكفيرية في المنطقة” هي القوى المنتشرة في جنوب الغوطة الشرقية، قريبا من مطار دمشق، وهي بالمناسبة قوات لا تملك المدفعية المناسبة للاستهداف الدقيق ولا الخبرات اللازمة، كما انها كانت اصدرت بيانا عن استهداف محيط دمشق، فور اطلاق القذيفة الاولى، وعلى الارجح ان القوى الرئيسية في تلك المنطقة هي الفسطاط وفيلق الرحمن، التابعين للجيش الحر.

وبالتالي فان عامل الصدفة مستحيل الحصول دون اصدار بيان، خاصة ان تلك الفترة هي مرحلة التوتر والتقاتل الداخلي بين المكونات الموجودة في الغوطة، ولم يكن اي عمل عسكري ليوجه الى منطقة المطار.

اما الاستهداف المباشر فهو امر مستبعد، فلم يعرف يوما عن قوى الجيش الحر قدرتها على الاستهداف الصاروخي او المدفعي الدقيق لاهداف تبعد اكثر من بضعة كيلومترات، وحتى لو حصلت على معلومات مخابراتية غربية، فان قدرة التنفيذ معدومة.

اما تنظيم الدولة الاسلامية فهو يبعد عشرات الكيلومترات الى الشرق، وحين يتمكن من التسلل يتم رصده قبل الدخول الى الدائرة الفعالة في محيط مطار دمشق الدولي، وحتما قدرته على الاستهداف معدومة في حالة بدر الدين.

حزب الله نفسه اسبتعد العامل الاسرائيلي، وهو في استعراضه لقوته في مراسم تأبين مصطفى بدر الدين في السيدة زينب في دمشق كان يوصل رسالة اخرى تماما، ليست موجهة الى التكفيريين ولا الى الاسرائيليين.

في عناد مدهش، وبالتزامن مع هذه الرسالة الاستعراضية، ومع خطابات الامين العام للحزب التي تنص على ارسال المزيد من القوات الى سوريا، كان حزب الله ايضا يرسل عبر تسريبات اعلامية[5] رسالة مفادها بانه لن يخضع للاستنزاف في سوريا، بل سينسحب الى مواقع يعتبرها استراتيجية ويعمل على الدفاع عنها، وهي حتما مواقع القلمون الغربي، ودمشق ومحيطها، وبعض النقاط الرئيسية، وهي اشارة الى انسحاب من معارك يومية، او هجمات وعمليات تقدم تنفع روسيا في تعزيز موقعها التفاوضي.

في المقابل اعلنت ايران، وايضا بشكل غير رسمي في السادس عشر من شهر ايار عن عدم استعدادها لارسال المزيد من القوات الى سوريا، وتكفلت محافظة مازندران الايرانية في ١٦ من شهر ايار ٢٠١٦ بالاعلان عن سحب قواتها في الجيش المنتشرة في خان طومان، وعدم ارسال المزيد.

هذا الاجراء، الرمزي بطبيعة الحال، يشير ايضا الى عدم الرغبة الايرانية في توظيف خسائرها في مصلحة التفاهمات الروسية الاميركية، وابراز دورها كلاعب رئيسي وصاحب قرار في سوريا، عبر التلويح بسحب قوات المشاة، وترك الارض نهبا للجيش الحر والفصائل الاسلامية. وهي ليست المرة الاولى التي تلوح فيها ايران الى الانسحاب من سوريا، اذ سبق في الثامن من شهر شباط ٢٠١٦، وايضا خلال العملية التفاوضية في جنيف، ان لوح قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري باحتمال الامتناع عن ارسال المزيد من المقاتلين الى سوريا. طبعا هناك خلفية اضافية اضافية لهذا التصريح، الا وهي الصراع الداخلي الذي حدى بالرئيس حسن روحاني الى ارسال جنود من قوات النخبة الايرانية من اللواء ٦٥ الى سوريا ضاغطا على الحرس ومؤكدا ان دور الحرس الثوري تقرره مصالح الدولة، وليس مصالح الحرس ورؤيته الخاصة للمسارات السياسية المحلية او الاقليمية او الدولية.

بدر الدين وايغور

اخر عملية سجلت لتنظيم الدولة الاسلامية في محيط مطار دمشق على مبعدة عشرة كيلومترات يوم الرابع من نيسان ٢٠١٤ (الخريطة لمصدر نيوز)
اخر عملية سجلت لتنظيم الدولة الاسلامية في محيط مطار دمشق على مبعدة عشرة كيلومترات يوم الرابع من نيسان ٢٠١٤ (الخريطة لمصدر نيوز)

عود على بدء في هذه الصورة المعقدة من العلاقات ما بين حزب الله وايران من ناحية وبين روسيا من ناحية اخرى، وبين مصالح مختلفة مع كل لحظة يتقدم فيها الحل السياسي، ومع رغبة روسية ماضية برحيل بشار الاسد لتسريع الحل، وارادة ايران ببقاء القائد الضعيف لسوريا للحفاظ على سيطرة شبه مطلقة على البلاد ومصيرها.

يمكن بسهولة مطلقة ملاحظة مقتل الجنرالات وتبادل القتل بين ايران وحزب الله وروسيا، حيث اتى مقتل بدر الدين الغامض مقابل مقتل ايغور سرغون الاشد غموضا.

ثمة من استدرج الجنرال الروسي الى لبنان وقتله، وهناك من رصد مكان مصطفى بدر الدين في سوريا وقتله. وبين هذا وذاك ستستمر حرب التصفيات في سوريا على هامش الحرب الدائرة.

[1] http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/russian-general-igor-sergun-dies-suddenly-after-being-sent-to-syria-by-vladimir-putin-to-ask-a6829531.html

[2] https://www.stratfor.com/sample/geopolitical-diary/mysterious-death-raises-questions-russia?amp%3Buuid=25bf1372-2ec9-40fd-bb2e-ef52727f721d&id=*|LIST%3AUID|*

[3] http://www.newyorker.com/news/news-desk/irans-generals-are-dying-in-syria

[4] http://www.dw.com/ar/%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%AA%D9%86%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%88%D8%B1%D8%B7%D9%87%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A3%D8%AD%D8%AF-%D9%82%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86/a-17270474

[5] http://m.alraimedia.com/ar/article/special-reports/2016/05/18/680621/nr/syria

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s