أم حسن: اليمين مقيماً في “عائشة بكار”

20130118_171732:حسام عيتاني

في بيتها المتواضع في منطقة عائشة بكار البيروتية، احتفظت أم حسن، والدتي، بكل معاني وسلوك الارستوقراطية القديمة. وهذه ليست ممتلكات عينية ورثتها عن أبيها، رغم حيازتها سجادتين عجميتين حصلت عليهما من أمها، لكنها في المقام الأول موقف من العالم والناس يجده السائل عنه في سرعة
اتخاذها جانبا واضحا حيال كل ما يُعرض عليها من مسائل وحالات.

ولا تندرج اراء أم حسن في خانة المحافظة البرجوازية الصغيرة او الاعتراض على التجديد والتغيير في القيم والعلاقات الاجتماعية في مقابل الولاء لزعامة مؤسسة وراسخة القدم في نسيج الاجتماع المحلي، على غرار فلاحي جبل لبنان الموارنة وعلاقتهم بالكنيسة المارونية الذين وصفهم وضاح شرارة بـ”اليمين الجماهيري” . فهي لم تبد يوما اي تقدير خاص لأي من زعماء الطائفة السنية باستثناء رياض الصلح، على ما أذكر، بفضل دوره في الاستقلال عن فرنسا. فرنسا هذه التي حابت المسيحيين ومكنتهم “منا”، “نحن” المسلمين الارستوقراطيين المتحدرين من عائلات الموظفين الأتراك الذين جاءوا الى بيروت في القرن التاسع عشر مع تحول المدينة الى عاصمة ولاية تابعة للسلطنة العثمانية. “نحن” وليس “انتم” او من تبقى من بينكم من فلاحي رأس بيروت الذين لم يعرفوا مهنة غير زراعة الفجل والبقدونس أو صيد السمك ولم يروا من الفاكهة غير الصبّار والجميز. وحال انتماؤهم الى الفلاحين والمزارعين دون تطور ذائقتهم في الطعام كما في الملبس، فظلوا غير قادرين على التمييز بين الفروقات الدقيقة في المآكل واهمية عصر الليمون الحامض عليها، على ما كانت تقول عندما نرفض اضافة الحامض الى الطعام مثلما كانت تفعل، فتبادر بتذكيرنا بأسلافنا من الفلاحين في بساتين محلتنا التي لم يعد يربطنا بها غير سجلات النفوس وبطاقة الهوية.

lazaritesورغم اعتزازها بأصولها الارستقراطية التركية والمسلمة التي وجد ابن خالتي سامي أخيرا أدلة حاسمة عليها[1] بعد أن روادتنا الشكوك لطول ما اعتدنا على المستوى المتواضع من العيش، فإن جدي كان حريصا على تعليمها مع اشقائها وشقيقاتها في مدارس الارساليات المسيحية، مدرسة راهبات دير العازارية الذي شُيّدت مكانه بناية العازارية الشهيرة وسط بيروت ثم مدرسة راهبات كرمل القديس يوسف في شارع فردان حيث يقام الآن مجمع تجاري “مول”…

وعلى العكس من الصورة النمطية السائدة عن الأسر البرجوازية التي تنحدر قيمها ونظرتها الى ذاتها عند خسارتها موقعها الاجتماعي ما يشار اليه بـ”الانحطاط البرجوازي” (Decadence Bourgeois)، وهي الصورة التي كرستها اعمال ادبية من مدارس مختلفة تمتد من الرومنطيقية الى الواقعية الاشتراكية حيث تبدو العائلات التي لم تستطع الصمود في أعلى السلم الاقتصادي او الاجتماعي كمرتع للآفات الأخلاقية والسلوكية، احتفظت ام حسن بوعيها لمكانة اسرتها وتمسكت بها من دون افتعال واصطناع. كانت ارستوقراطية بالفطرة تنم تصرفاتها عن اعتزاز بالنفس وشعور بالكرامة لا يقبل تسوية او مهادنة. تستحق الأخلاق المحافظة واليمينية نقاشا مطولا خصوصا عندما تندمج فيها الهيمنة الثقافية والموقع الاقتصادي والسياسي السلطوي، خصوصا بعد حلول العسكر العرب في السلطة بدل الفئات التقليدية في خمسينات وستينات القرن الماضي وتحول الأخلاق الى حقل صراع ضد “الاقطاع” و”الانظمة البائدة” وجلب الحكام الجدد لقيمهم معهم من الثكنات وأقبية المخابرات، لكن ليس هذا ما يشغلنا ههنا.
لم تمل ام حسن يوما الى قبول اراء زوجها، أبي، الشيوعي على مدى اعوام زواجهما الطويلة ولا الى تحليلات ابنائها الذين انتسبوا مبكرين الى حزب الطبقة العاملة. كانت لديها منظومة متكاملة من القيم التي تساعدها على صوغ منطق متماسك من الاستدلال والقياس والمقارنة قبل ان تنطق حكمها الذي تلتزم به حتى عندما تلجأ الى الصمت كمهرب من الجدال والمناكفة.

قبل الحرب في 1975، لم تكن معنية بالفوارق الطبقية المتزايدة بين اللبنانيين ولا بتضخم أحزمة البؤس في الضواحي. ردها على تحذيرات ابي من انفجار هذه المناطق اذا لم تنل حصتها من الاهتمام واذا لم تشملها عدالة اجتماعية، أن اهالي أحزمة البؤس جاءوا من دون أن يرسل احد في طلبهم. والحل يكون في عودتهم الى قراهم. لا يهمها ان يستغل ارباب العمل حرمان الارياف وفرضهم الرواتب المجحفة على عمال المصانع في الضواحي، فهذه من البداهات وطبيعة الأشياء: كل العمال مظلومون تعريفا ما داموا يتلقون رواتبهم من آخرين. مسائل التناقض بين العمل ورأس المال وفائض القيمة وما يندرج في سياق الصراع الطبقي هي في رأيها مما لا مفر منه والعمل على تغييره لن يجدي نفعا.

اما لبنان فلا مانع في ان تحكمه صيغة التعايش الاسلامي – المسيحي ما دام كل من المسلمين والمسيحيين يبقون في مناطقهم يمارسون طقوسهم وتقاليدهم من دون أن يزعج اي منهم الآخر. طبعا، يجب ان تكون الغلبة للمسلمين لأنهم الاكثرية في هذا البلد ولأن دينهم أسمى من دين مواطنيهم الذين احتفظت لهم بانتقادات لاذعة على عباداتهم وعاداتهم…. غني عن البيان ان الدين القويم في عُرفها هو الإسلام السنّي المديني حصرا. يجوز ان يحضر السنّة من أهل الارياف كمواطنين من الدرجة الثانية، قبل المسيحيين. وفي المرتبة الأخيرة يحل الشيعة على ما ينبغي ان يكون حاضرا كل ترتيب سنّي مدرك لمعنى المنافسة الشيعية على الموقع الاسلامي الأول في الاجتماع والسياسة والاقتصاد.

العام الثاني من الحرب الاهلية، 1976، كان قاسيا على ام حسن بسبب الحصار الخانق الذي فرضته القوات السورية وحزب الكتائب وحلفاؤه على بيروت الغربية. تواصل على مدى شهور انقطاع الكهرباء والماء والطحين والمواد الغذائية عن الشطر الغربي للعاصمة. ولا ينال هذا الحصار اهتماما اعلاميا من محبي “الذاكرة” اليوم مقارنة بالحصار الاسرائيلي في 1982 لاسباب تتعلق بالنهايات التي اختتمت بها تلك الجولة من الحروب اللبنانية. فكنا ننقل المياه للشرب والاستخدام اليومي في الغالونات البلاستيكية وعلى عربة خشبية صنعناها أخوتي وانا مما تيسر من صناديق الفاكهة القديمة. اما الخبز الذي كانت صفوف الناس الواقفين في انتظاره تمتد لمئات الامتار وتتعرض احيانا لقصف مدفعي، فعمدت امي على غرار نساء بيروتيات كثيرات الى صنعه يدويا في المنزل على “صاج” قديم مستخدمة طحينا كانت الحركة الوطنية توفره لأنصارها ولا يندر ان نعثر فيه على انواع غريبة من الحشرات الطائرة والزاحفة.

ادى ذلك الى ركود في متابعة ام حسن للأوضاع السياسية وانشغالها بتأمين الحاجات المنزلية وتنظيم استهلاك الكمية الضئيلة من المياه التي كنا نفلح في تأمينها في رحلات صباحية الى خزان مياه في حديقة المختبر المركزي في فردان (المصادر حاليا من قبل حراس قصر زعيم المحرومين لدواعي أمنه المهدد) والاشراف على استحمام الأولاد وتنظيف المنزل ليبقى ضمن معاييرها حتى في أحلك الظروف.

على الرغم من هذه الانشغالات، ظلت ام حسن على رأيها في الحرب: انها حرب بين المسلمين المظلومين وبين المسحيين المستأثرين بالامتيازات في البلد. كان في حوزتها الكثير من الأدلة والشواهد. لم تهتم كثيرا بالتفسيرات الطبقية عن الطغمة الحاكمة وعائلات الأربعة في المئة الموزعة على الطوائف والقابضة للقسم الاكبر من ثروات لبنان. ولا عنى لها شيئا تقريبا الحديث عن طبيعة اقتصاد الخدمات وتهميش الفئات الفقيرة التي تضم مسلمين ومسيحيين على السواء. كل هذا مترافقا مع تبرير العمل الفدائي والدفاع عن منظمة التحرير الفلسطينية في مواجهة اسرائيل وأميركا والرجعية العربية طيبة الذكر، (وهذه مواقف وشروحات ابي كما هو جلّي)، لم تعن لها شيئا وتمسكت برأيها: المسيحيون لا يريدون ان يكون للمسلمين موقع مقرر في هذه البلاد. نقطة. انتهى.

بعد انسحاب القوات الفلسطينية من بيروت صيف 1982، حل زمن “الحكم المسيحي” في عين ام حسن بانتخاب أمين الجميل رئيسا للجمهورية خلفا لأخيه بشير. انحسار سلطة الجمّيل عن بيروت في شباط 1984 لم يحمل الراحة الى والدتي التي وقع تحت مرمى ملاحظتها الدقيقة من لم تحسب لهم حسابا ولم تقم لهم وزنا من أصل. لقد بدأ الصعود الشيعي. الدروز لم يدخلوا في دائرة رادارها. فهؤلاء لا يشكلون ثقلا جديا في تفسيرها لتوزانات المكانة الاجتماعية – السلطوية، قبل السياسية. أما الشيعة فمسألة أخرى.

ظلت على ارتيابها بالشيعة على الرغم من أن اكثرية اصدقاء زوجها ثم اولادها منهم. وفي جلسة مع اخي فداء بعد ايام على هجوم حزب الله على بيروت في 7 ايار 2008، وبعد ان استمعت الى ارائنا المطولة وتفسيراتنا ونقاشاتنا، سألتنا بهدوء “طيب..لكن ماذا يريد المتاولة منا؟”. لعل في هذا السؤال وفي استخدامها الصيغة القديمة لتسمية الشيعة والتي لم تعد متداولة منذ اعوام بعيدة، ما يلخص موقفها من “الآخر” الآتي لغرض وحاجة هما دائما على حسابها وحساب جماعتها وأهلها….

Advertisements

فكرة واحدة على ”أم حسن: اليمين مقيماً في “عائشة بكار”

  1. يا سيد حسام عيتاني، أمك على حق في كل كلمة قالتها وفي كل رأي وملاحظة ذكرتها أنت عنها. لو أننا استمعنا لكبارنا لما كان هذا حالنا والله يستر من القادم، ليس عيباً ولا طائفية أن تقول أمك ماذا يريد المتاولة منا، فالتاريخ لم يذكر لهم يوم واحد أبيض على الأمة الإسلامية، كانوا دائما يقتلوننا ويتهموننا أننا لا نقبل الآخر الذي لا يريد إلا قتلنا. استمع لمجرم الضاحية ماذا يقول عن اثورة السورية (إنهم تكفيريون لا يؤمنون بالعيش المشترك) ما هو مفهوم العيش المشترك برأي مجرم الضاحية سوى أن يقبل القتيل يد قاتله

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s