اهتمامات شخصية: “أس يو 34”

حسام عيتاني:su34-01

منذ عام تشغل بالي طائرة السوخوي، خصوصا الـ” اس يو 34″. القاذفة المقاتلة التي ارسل فلاديمير بوتين بعضا منها الى سوريا لقصف مواقع “الارهابيين” ثم راحت تنطلق من ايران لاداء المهمة ذاتها.

في اعوام مراهقتي كانت تجذبني كل انواع الاسلحة من الفردية الخفيفة الى الطائرات الاستراتيجية والصواريخ العابرة للقارات والغواصات. لا اعرف كمية الكتب والمقالات والافلام ومقاطع الفيديو التي قرأت وشاهدت عن الحروب والسلاح لكنها تفوق قطعا ما يبديه القارئ العام وربما تعادل اهتمامات مهندسي “المجمعات الحربية – الصناعية” سيئة الذكر واقتصاديي مراكز متابعة انتشار الاسلحة وتجارتها.

كنت امضي اياما طويلة في تركيب النماذج المصغرة (الماكيت) لعربات ومصفحات ومقاتلات بلاستيكية صغيرة واتفنن بطلائها بانواع الدهان الخاصة والصاق العلامات المميزة عليها ما يستنزف كل مصروفي، اضافة الى قراءات طويلة عن الحروب والمعارك التي شاركت القطع الاصلية فيها ومستوى ادائها. ثم توجهت الى نقل الرسوم الهندسية للطائرات بتفاصيلها الدقيقة نقلا عن الكتب المتخصصة بالطائرات الحربية حيث اكتشفت، عن طريق التجربة والصواب والخطأ، الفوارق بين اقلام الرصاص العادية وتلك المخصصة للرسم الهندسي ومعنى التناظر والبعد الثالث والعمق مما عدت وتعرفت اليه على ايدي اساتذة محترفين اثناء دراستي الجامعية.

اسارع الى التوضيح أن الدلالات النفسية للاعجاب بالسلاح والتفسيرات الفرويدية واليونغية او اللاكانية، لا تهمني كثيرا هنا اضافة الى أن مسائل دور العنف والتشجيع عليه والسلاح الذي يقتل شعوبنا والسلاح الروسي منه على وجه التحديد، كلها جوانب مهمة لكن هذه السطور لا تتناولها.

تجربتي الحربية المتواضعة لم تضعني على قرب إلا مع الانواع المتوفرة في حروب الشوارع والميادين الضيقة. والقطع التي استخدمتها كانت فردية خفيفة ومتوسطة ولم يترك انطباعا قويا عندي سوى رشاش الكلاشنيكوف الذي احضرت الى بيت اهلي عام 1985 نسخة منه يزيد عمرها في تلك الايام عن الثلاثين عاما. كانت تلك القطعة اثقل وزنا وابرز تفاصيلَ من النماذج الرائجة. وتأتي البنادق الهجومية الثقيلة والقديمة في الغالب من مخازن الجيش السوفياتي الذي يحيلها الى “الصيانة” (أو “ينسقها” بحسب العبارة المستخدمة للاسلحة الخارجة من الخدمة) ثم يرسلها الى الحلفاء في العالم الثالث عوضا عن اسلحة أحدث واغلى ثمنا. بيد أن المقاتلين كانوا يفضلون الانواع القديمة من “الكلشن” نظرا الى متانته وتحمله الصدمات والضربات وبطء ارتفاع حرارته مقارنة مع النسخ المصنوعة خارج الاتحاد السوفياتي وخصوصا النموذج البلغاري الذي تبدأ سبطانته بالاحمرار بعد اطلاق متتابع لحوالى المئة رصاصة منه.

ولتنوع بلاد منشأ السلاح لدى الاحزاب اللبنانية قصص يتعلق بعضها بالتعاون مع “المنظومة الاشتراكية” السابقة في اوروبا الشرقية وبعضها الآخر بمزاجية و”ذوق” الضباط السوريين الذين كانوا يحددون ما يصل وما لا يصل الى القوى اللبنانية من عتاد كان يجري في العادة تفريغه في مرفأ طرطوس بعد اقفال مرافئ صيدا وصور وطرابلس على اثر خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان صيف 1982. وهي قصص يشبه بعضها قصص الشاطر حسن وعلاء الدين ومغارة علي بابا (طبعا)، ربما يظهر يوما من يملك تفاصيلها ويرغب في الكلام عنها…

اعود الى اهتمامي بالسوخوي. بعد الهزائم التي مني بها بشار الأسد في ادلب وجسر الشغور وجبلي التركمان والأكراد ربيع وصيف 2015، ارسل بوتين مجموعة قتالية جوية تشكل طائرات السوخوي الجزء الضارب منها. سبق وصول السوخوي إعلان عن مجيء اربع طائرات “ميغ-31” (النسخة المحدثة من “ميغ- 25” المخصصة للاستطلاع والاعتراض) وظهر على موقع “يوتوب” مقطع فيديو لاقلاع الطائرات وهبوطها من دون توضيحات كافية عن مسارها والمطارين اللذين طارت ونزلت فيهما. شكك عدد من الباحثين في صحة المقطع ورجحوا ان يكون مقدمة “للأمر الحقيقي” وبالفعل بدأ بعد أيام وصول الطائرات الى حميميم وتفريغ الاعتدة اللازمة في مرفأ طرطوس لاقامة قاعدة جوية جديدة.

الى جانب المروحيات، احتلت طائرات السوخوي من طُرُز مختلفة قائمة المقاتلات والقاذفات. ثمة انواع متخصصة وصلت مثل “اس يو 25” القاذفة المعادلة “لقاتلة الدبابات” الاميركية “ايه – 10” والقاذفة بعيدة المدى “اس يو- 24” (واحدة منها اسقطتها مقاتلة تركية في تشرين الثاني 2015)، اضافة الى المقاتلة – القاذفة “اس يو – 34″، وأكثر هذه الطائرات خضع لتنويعات وتعديلات كثيرة أُدخلت عليها لتلائم تغيّر الميادين والمهمات او لاضفاء قدرات لم تلحظها التصاميم الاولية.

حرّك فضولي الحضور الطاغي للسوخوي مقابل الاختفاء شبه الكامل للميغ التي كانت تعتبر رمزا سوفياتيا طوال الحرب الباردة وعلامة مسجلة لصناعة السلاح والطيران السوفياتيين ثم الروسيين. ربما يصح هنا سرد قصة المنافسة بين السوخوي والميغ سردا موجزا لتفسير استئثار الاولى بالاهتمام وانحساره عن الثانية. خلاصة القصة ان بافل سوخوي، مؤسس المكتب الذي يحمل اسمه لتصميم الطائرات، وهو من بيلوروسيا ويقول معاصروه انه كان إسماً على مسمى (سوخوي بالروسية تعني الجاف) لم ينتم الى الحزب الشيوعي السوفياتي واتسمت علاقته بكبار مسؤولي الحزب وضباط الجيش بالتوتر بسبب شخصيته وعدم رغبته في ممالأة او مداهنة اصحاب القرار. في المقابل، كان ارتيم ميكويان وميخائيل غوريفيتش اللذان يحمل مكتبهما الاحرف الاولى من اسمي عائلتيهما، عضوين في الحزب ومقربين من القيادة وحقق احدهما “ضربة العمر” عندما اقنع صناعيين بريطانيين بعيد الحرب العالمية الثانية بارسال محرك رولز رويس نفاث الى الاتحاد السوفياتي لدراسته فأصبح المحرك الاساس الذي وضع على طائرات “ميغ- 15” التي غيرت مفاهيم القتال الجوي. وعلى رغم العوائق استطاع سوخوي ترسيخ موقع مكتبه ضمن المؤسسات التي تفوز بعطاءات الجيش السوفياتي مستعينا بعدد من الابتكارات التي سلطت الانتباه الى طائراته.

وحتى لا تطول القصة كثيرا، ننتقل الى المرحلة التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي. في تلك الفترة تضاءلت الى حد الاختفاء طلبات الجيش الروسي الذي عانى من ازمة مالية خانقة في التسعينات، من الطائرات فباشر مكتب تصميم السوخوي البحث عن صفقات في الخارج ليتمكن من البقاء. وافلح في منتصف التسعينات في عقد صفقة كبيرة مع الهند التي ابدت اهتماما بشراكة مع سوخوي تتضمن شراء وتصنيع محلي لنماذج من “اس يو 27” وتعديلاتها. انقذت هذه الصفقة المؤسسة واتاحت لها تطوير مختبراتها ومقراتها والانتقال الى التصميم الرقمي وغيره من التحديثات التي ساهمت في انتاج الاجيال الحالية من السوخوي خصوصا “أس يو 34” والبدء بالترويج للسوخوي “باك” التي تعتبر طليعة الجيل الخامس من المقاتلات الروسية ويفترض ان تعادل ال”اف 22″ و”اف 35″.

ما زال مكتب تصميم “ميغ” ينتظر طلبات الجيش الروسي، على ما يبدو، رغم الانجازت المهمة التي قدمها المكتب خلال تاريخه ومنها ما اصبح رمزا كطائرة “ميغ 21” (تعيسة الحظ لدى الجيوش العربية سعيدته في فيتنام وغيرها) وتصنيع “ميغ 25” من الفولاذ والتيتانيوم بدلا من استخدام الالومينيوم، المعدن المعتمد في صناعة الطائرات قبل دخول ألياف الكربون، بسبب الحرارة الشديدة التي يولدها احتكاك الطائرة مرتفعة السرعة البالغة ثلاثة ماك (حوالى 3300 كلم/ ساعة) ما يؤدي الى ذوبان الالومينيوم وهو ما فضى الى تزويد الميغ 25 بمحركين ضخمين ليستطيعا الوصول الى السرعة المطلوبة ضمن شروط التصنيع التي وضعتها وزارة الدفاع السوفياتية للحصول على طائرة استطلاع واعتراض متفوقة وليحملا وزن الطائرة الفولاذية، في الوقت ذاته.

في اعقاب ازمة التسعينات الخانقة، سعت الحكومة الروسية الى ابقاء صناعة الطيران في موقع متقدم لاسباب استراتيجية واقتصادية فاعلنت في 2006 انشاء “مؤسسة الطيران المتحدة” (“يو ايه سي”) وتضم مكاتب التصميم ومصانع الطائرات الرئيسة (ياكوفليف، بيريف، توبوليف وغيرها الى جانب سوخوي وميغ طبعا). تحسن الطلب على منتجات صناعة الطيران تحسنا قياسيا في العقد الاول من القرن الحالي بفضل طلبات الشركات المحلية والجيش التي عادت للارتفاع بفضل تصاعد اسعار النفط والغاز، المورد الاول للعملات الاجنبية الى الاقتصاد الروسي. ولم تظهر بعد مؤشرات على التأثير المتوقع للانخفاض القاسي لاسعار النفط في العامين الماضيين.

من جهة ثانية، يمكن مقارنة عدد الطائرات التي تصدّرها سوخوي الى دول عديدة بنظيرتها من الميغ حتى يظهر الفارق الشاسع بين نجاح الاولى وانكفاء الثانية. وهو ما ظهر في المجموعة التي ارسلتها روسيا الى سوريا، كمثال اول، ومن اعادة الجزائر لخمسة عشرة طائرة “ميغ 29 أس ام تي” في 2008 الى روسيا بعد عامين من التوصل الى الصفقة، بسبب “مشكلات في النوعية” على ما قالت صحيفة “كومرسانت” يومها كمثال ثان.

جوهرة المجموعة الجوية الروسية في سوريا هي الـ”سو يو 34″ كما سبقت الاشارة. ثمة افلام وثائقية ومقالات تقنية عن هذه الطائرة المميزة في شكلها وعملها، من “منقار البطة” في مقدمتها التي عدلت لتضم رادارا متطورا الى مقعدي الطيارين المتجاورين الى حجمها الكبير الذي يضعها ضمن القاذفات لكنها مع ذلك تتمتع بالمرونة والقدرة على المناورة ما يسمح لها بالمشاركة في القتال الجوي القريب (“قتال الكلاب”). بعض هذه الميزات وُجدت في الـ”سو يو 24″ لكنها قفزت قفزات نوعية مع الطائرة الجديدة التي صممت رقميا بكاملها. ورغم ذلك تلتزم هذه الطائرة بالمعايير الروسية المشددة على البساطة وقابلية الاستخدام في الظروف المناخية الصعبة وعلى المدرجات الاسمنتية المفتقرة الى الصيانة.

اخيرا، هناك التنويعات على اللون الازرق في طلاء الطائرة ما يزيدها جمالا… نعم “جمال”. ذلك أن السلاح، في نهاية المطاف يحمل منذ ان اكتشف الانسان اثناء مطاردته فريسته الفرق بين الحجر والرمح، قدرا لا يستهان به من الابداع البشري وتظهيرا للعبقرية العلمية والهندسية في مجالات يبقى للاخلاق والفلسفة والاجتماع ان تقول رأيها فيها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s