موت العجوز وانتصار الديكتاتورية

che-morto-1فداء عيتاني:
كان طاعنا في السن اكثر مما يحتمل السرير الذي يرقد عليه، ثم مات، هو عجوز، وعلى الارجح خرف، وربما نسي من هو ومن كانه.
اي شياطين هي تلك التي تمحوا المسافة بين التعاطف البشري والشماتة بخصم او عدو او التمثيل بجثة؟ في الشرق الاوسط، وخاصة لبنان وسوريا والعراق، اصبح التمثيل بالجثث عادة، من نساء يطهين رؤوس اعدائهن المذهبيين الى اكل الاكباد، الى قتل الاسرى والجرحى كواجب جهادي، اي ارتكاب جريمة حرب موصوفة مرضاة لله.
ولكن لا ينطبق الامر على فيدل كاسترو، الا من حيثان من يدينون الديكتاتور الميت على سريره اصبحوا جزءا من منظومة جهل وانتقام وغرائز، حتى لوتلونت بالوان الشبكة وازرق الفايسبووك وصدحت بتغريدات التويتر.
هكذا يريد الممول، هكذا يرغب الدونر، وسواء في لبنان ام في الشتات السوري فان الاصوات نفسها تتحدث بمنطق واحد: الشيوعية هي الديكتاتورية، والمجد والخلود للرأسمالية وحقوق الانسان وتمكين المرأة ومناهضة العنف ضد الاطفال والى اخر هذه المعزوفة.

١- مات الديكتاتور

من مات في الحقيقة هو رجل عجوز، اما الديكتاتورية فلا زالت ترفل بابهى حريرها، مدعومة من منظومة كاملة من الدول والموارد.
في لبنان تعيش الديكتاتورية في اسعد ايامها، تجدد شبابها بانتخاب رئيس جديد، ليس المسكين العجوز الاخر هو الديكتاتور، انه في الحقيقة الحمار الذي دعوه الى العرس لينقل الماء والحطب، الدكتاتورية تتمثل في امراء طوائف اقوى من اجهزة الدولة، وفي نظام متماسك الى درجة تخليه عن الدولة وتركها للاهتراء بحال هددت استمراره، او تطلب تقاسم الحصص الطائفية بين ارباب النظام (لب النظام النظام اللبناني) ضرب الدولة واجهزتها.
في سوريا تعيش الدكتاتورية مجد صعودها على جماجم اكثر من نصف مليون انسان سوري، تحظى بدعم من روسيا، وايران، والعراق، ومصر، والعديد من الدول العربية الاخرى، واما تلك الدول التي تصيغ سياسات معادية للديكتاتورية فلم تحرك اصبعا من اجل وقف حمامات الدم التي يرتكبها الدكتاتور، الكثير من الصراخ، ومئات الاف البنادق المستهلكة المستوردة من اوروبا الشرقية، ولكن دون اي موقف حقيقي يسمح باقامة منطقة امنة للمواطنين السوريين داخل حدودهم. من يعمل على تكريس حقوق الانسان في العالم يصرخ بمجد الدكتاتورية وطول بقائها في سوريا ولبنان.
يمكن سرد الاف الامثلة التي تراكمت خلال الاعوام الخمسة الماضية عن الدعم الدولي للدكتاتورية السورية، ليس اقلها منظمات الامم المتحدة التي تدعم مناطق النظام وجيشه وقوات ميليشياته باكثر من ٨٠ بالمئة من المساعدات، بينما لا تصل الى مناطق الحصار وتلك الخاضعة للقصف الجوي الروسي والنظامي الا بضع سلات اغاثية كل عدة اشهر. عداك عن سماع صوت ممثل النظام في اروقة الامم المتحدة مجلجلا كل الوقت ومرسلا التهكمات على الاتهامات الدولية بممارسات ضد حقوق الانسان.
ومصر ايضا، لم تكن ثورة الشارع باحسن حالا، لقد قادت من دكتاتورية الى اخرى بفعل توافقات اقليمية ودولية وصراعات دول نفطية صغيرة وكبيرة، وانتهى الامر بان تقاسم جنرالات الجيش المصري الاقتصاد، وتربع ديكتاتور جديد يتسول من دول الغرب والشرق، فيما لجان حقوق الانسان والمنظمات الدولية تسجل عدد الضحايا.
ولكن بغض النظر عما نعيشه، يفرح ناشطونا ومفاتيح المجتمع المدني في دولنا بموت ديكتاتور اسمه فيدل كاسترو.

٢- فشل المواجهات

حسنا، كان فيدل كاسترو دكتاتورا بحق، خضع للشروط الدولية، ومارس تصفية شركاء الثورة، ارسل ارنستو تشي غيفارا الى منفى طوعي، وسلمه دراسات مغلوطة عن الاوضاع الاقتصادية الاجتماعية في بوليفيا ادت الى فشله هناك ومقتله، وتفرد كاسترو بادارة البلاد، ولم يلتزم بالحقوق والواجبات التي تفرضها القوانين، مارس القهر من اجل السلطة. تعلم اصول القمع والادارة الفردية للدولة، كلنا نعرف ذلك.
الا ان الناشطون، واركان مجتمعنا المدني، الممولون من دول وانظمة غربية تغازل الدكتاتوريات ليلا وترميها بحجر نهارا، يحلمون بانظمة غير متوافرة على سطح الكوكب، ويطمحون الى الهجرة، اذا ما استثنينا العديد من الناشطين عبر البحار، الذين يرشدون جماهيرهم الى درب الخلاص وهم في استراليا او الولايات المتحدة او افريقيا او المانيا والنمسا، والحديث هنا عن اللبنانيين، وكذلك عن السوريين الذين تخلوا عن شعبها مرتين، مرة في بدايات الثورة حين خرجوا من سوريا الى بلاد محيطة بها، ومرة حين تركوا اللاجئين في بلاد الجوار السوري واتجهوا غربا.
فشل اللبنانيون من الناشطين واصحاب الثقافة والرأي والهم التغييري بفرض حل على سلطاتهم بازالة النفايات من الشوارع، فشلوا في لحظة اعطاهم اغلب المواطنين الثقة، في لحظة فراغ سياسي كبير في البلاد، فشلوا في ادارة خلافاتهم الخاصة والعامة، وفي تشكيل مجموعات ضغط قادرة على العيش والوصول الى هدف، وانتهوا يبتنون اساليب الميليشيات في وقف حركة السير وقطع الطرق، هؤلاء، الذين لم يتمكنوا من التفاهم بين بعضهم يدينون الدكتاتورية كل يوم، صبحا وظهرا ومساء.

٣- ديكتاتوريون صغار

ولكن هؤلاء الخلاصة المثقفة من ابناء لبنان وسوريا والعراق وكل الدول المنكوبة يبغضون الدكتاتورية، والدكتاتوريين، حتى لو كانت خطواتهم وارائهم هم، الناشطون المثقفون الواعون، قد اوصلتنا الى الحروب الاهلية، واثبتوا في مساراتهم الاخلاقية انهم بالكاد يدركون طريق الفرار والنجاة الشخصية، عداك عن جهلهم التام وانفصالهم المطلق عن ابناء بلادهم، وحالة الانكار الدائمة لما يحصل حقيقة وواقعا في بلادهم.
هؤلاء الذين يدينون الدكتاتورية من بلاد الهجرة، وهم يسعون باقصى ما يمكنهم للاندماج في الغرب، سبق ان سببوا بفشل الثورات العربية، وصدقوا كل ما قيل لهم من ضباط مخابرات صغار غربيين وعرب، واعتمدوا على غيرهم ليحقق امالهم.
الانكى انهم فشلوا في التفاهم في ما بينهم، لقد ربتهم الدولة القمعية في بلادهم، او الطوائف الكريمة وقادتها الملهمين القمعيين على مفاهيم وسلوكيات عجزوا عن التخلي عنها حتى في لحظة ذبح اهلهم وافناء مدنهم.
هؤلاء لم يتمكنوا من تشكيل اطر جامعة لمواجهة الدكتاتورية في بلدانهم، ولكنهم يتشدقون وكأنهم يعلمون، في هجاء الدكتاتوريات عبر المحيطات. وفي كل منهم يتحرك دكتاتور نزق ينتظر لحظة انقضاضه على السلطة، ولو كانت على شكل جمعية اهلية بائسة يسرق منها قوت يومه.

٤- خلط الازمنة

ولكن كل هؤلاء ينسون عامل اساس في كل موقف في السياسة، وفي التاريخ، وفي النقد، وفي علم المجتمعات، انه عامل الزمن، يحاكمون كاسترو من خلف اجهزتهم والام شعوبهم وكأنه بشار الاسد او حافظ الانقلابي، ينسون التاريخ، وما حصل، والظروف المحيطة، واي غفلة كانت في واشنطن، ونظرية غيفارا بخلق فيتنام في كل قارة.
ينسى هؤلاء، او ربما لا يعلمون ان حركة الثورة الكوبية اطلقت موجة يسارية جديدة في العالم، سمحت لشباب اوروبا بالتحرك ورفع مطالبهم والحصول على اغلبها، وسمحت لشبان العالم العربي بالتحرك، وايضا الهمت الثورة الفلسطينية، وان كان تحول كل رمز من رموزها الى دكتاتور صغير، فان هؤلاء لا يجروؤن على ادانة دكتاتورية المنظمات الفلسطينية، والاخوان المسلمين، وجبهة النصرة، والحزب السوري القومي، وحزب الله، وغيرها من القوى المحلية. يكتفون بشتيمة من اصبحت شتيمته سهلة، ويهربون غربا في الفكر والجسد.
ربما هؤلاء الذي يحاكمون عجوزا مات على فراشه ينسون ان اكثر من نصف قرن قد مضى، ان عمليات النقد والنقض والتطور معطلة لديهم بالكامل، تحديدا لخضوعهم لحكم قيمية مبسطة حد السذاجة، بين خير وشر، صالح وطالح، ديموقراطي دكتاتوري، ينسون التركيب المعقد، ويذهبون الى الحكم المبسط، مشكلين وعيا سطحيا يبشر بطول تحكم الموت والدكتاتورية والقمع في بلادنا.
الى هؤلاء: مات العجوز وبقيت الدكتاتورية. الدكتاتورية بغاية الازدهار في منطقتنا، ماذا عنكم؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s