قصة: “بلاد بتسوى جبران باسيل انتو اكبر قدر”

فداء عيتاني: الثلاثون من حزيران، في مدينة بريطانية ساحلية جميلة، كانت المعلومات قد اكتملت حول مداهمة الجيش اللبناني لمخيم اللاجئين السوريين في جرود عرسال، وبات مؤكدا ان ثمة تجاوزات ارتكبتها القوة المداهمة ادت إلى مقتل مدنيين خلال المداهمة بينهم طفلة ماتت دهسا بعد ان قلبت ناقلة جند جدارا صغيرا عليها. مع كل اللغط حول عمليات انتحارية قام بها عناصر من جبهة النصرة او تنظيم داعش ضد قوات الجيش المتقدمة، لم يكن من السهل ترك تجاوز ادى إلى مقتل مدنيين واعتقال اكتر من ٣٥٠ شخصا من الذكور من المخيم دون رد فعل.

المشكلة الفعلية كانت تمتد إلى دخول الجيش لتنفيذ عمليات فائدتها فقط على مشروع حزب الله في منطقة عرسال والنواحي السورية المحتلة من قبل قوات الحزب، وتجبر اللاجئين على ترك مناطق اللجوء والحماية بالقوة، وهي الحماية التي يفترض ان تقدمها لهم الامم المتحدة.

سبق لقافلة من خمسين عائلة ان حصلت على ضمانات وعادت إلى داخل سوريا، وبعد ايام كانت تتصل باقاربها في لبنان لتخبرهم ان الضمانات خرقت، وانه قد سيق منهم من سيق إلى الخدمة العسكرية في جيش النظام واعتقل جزء اخر ولم يتم توفير اي شيء مما وعدوا به.

يومها كتبت بوست على الفايسبووك يقول: “دهس طفلة. مداهمات. تنكيل باللاجئين. قتل عشوائي. اعتقالات بالمئات. إجبار الناس على العودة إلى سوريا بالقوة. مزبلة ميشال عون وقوات مسلحة تلتحق بفاشية حزب الله واحقاد بقايا المارونية السياسية. ادعاءات بوجود إرهابيين لا يمكن لطرف محايد التأكد من صحتها. كل ذلك بنكهة سعد – المشنوق – صفا.

بلاد بتسوى جبران باسيل إنتو أكبر قدر”.

بيروت

– الرابع من تموز فجرا، عدت إلى بيروت عبر مطار بيروت الدولي، ختمت جواز سفري لدى الامن العام كالعادة، ودخلت إلى البلاد، كنت قد خرجت يوم الخامس من ايار ٢٠١٧ عينه عبر المطار. ومنذ العام ٢٠١٤ وحتى يومها قمت باكثر من ٢٤ مرة بختم جوازي من مطار بيروت الدولي.

– الرابع من تموز ليلا، لم ينشر احد صور ضحايا التعذيب في عرسال، بدأت المعلومات تتوارد عن مقتل عدد من المعتقلين تحت التعذيب، ثمة صور تم تسريبها بطريقة ما، ولكن يبدو ان احدا لم يردالبدء بالنشر، وصلتني الصور، غطيت عيني احد الضحايا ونشرت صورته، وتابعت محاولة الحصول على المزيد من المعلومات عن عدد الضحايا وتفاصيل مقتلهم.

– الخامس من تموز، يبلغني صديق بان هناك دعوى مقامة ضد اربعة اشخاص وانا من ضمنهم، وهي تشمل تحقير وسب الجيش وايهان معنويات الامة، والكثير من الاتهامات المشابهة، بعد مراجعة اصدقاء محامين تبين انها لا تزال في مراحلها الاولية، وفي التدقيق باسماء المحامين الذين رفعوا الدعوى، كان يمكن تلمس علاقة ما باحد الأجهزة الامنية اللبنانية. منذ تلك اللحظة سيكون ثائر غندور ونادر فوز قربي كل الوقت، دون ان اطلب وقبل ان اسأل، اضافة إلى حسام عيتاني، الذي يحمل كل مرة الجزء الاكثر تعبا وقلقا من نتائج مواقفي، بغض النظر عن رأيه بها وموافقته او عدم موافقته عليها.

– الخامس من تموز والسادس منه تميزا بحراك المحامية ديالا شحادة: بدأت المحامية شحادة بمحاولتها الحصول على عينات من جثث القتلى السوريين لدى الجيش اللبناني، وبدأت عمليات الترهيب والترغيب. كان ثمة توتر غير معهود لدى اجهزة الامن المحلية. استحصلت على قرار قضائي بعد تمكنها من التوكل عن اهالي القتلى، والقرار القضائي يقضي باخذ عينات من الجثث وتشريحها تحت اشراف القضاء المدني في مستشفى ببيروت.

القضاء

– السادس من تموز صباحا، رقم غريب يتصل بهاتفي، وعلى غير عادة اجبت على الرقم المتصل، ليبلغني مؤهل اول من مكتب جرائم المعلوماتية بان هناك شكوى بحقي وبان علي الذهاب الى المكتب في اليوم التالي، اي الجمعة صباحا في السابع من تموز، واتفقنا ان اذهب الساعة ١١ قبل الظهر.

التقيت بهذه الاثناء بعدد من الاصدقاء، كانت اجواء التحريض ضد اللاجئين السوريين تكاد تبلغ ذروتها، وكذلك اجواء التحضير لمعركة عرسال. قررنا ان اذهب إلى المكتب، وان وعلمنا بفضل صديق اخر بان جبران باسيل وزير الخارجية هو من قدم الشكوى ضدي هذه المرة، وان الشكوى امام القاضي سامر غانم.

ارشدني المحامي علي الدبس إلى مجموعة من الخطوات القانونية، وعلى حقوقي كاملة بموجب المادة ٤٧ من اصول المحاكمات الجزائية. واتفقنا ان يتوكل عني لاحقا. علي الدبس قدم نفسه متطوعا دون مقابل وحافظ على الحضور والعمل حتى لحظة خروجي من مبنى الشرطة.

نبهني المحامي الدبس الى ان بامكاني عدم الذهاب، وان ثمة مخالفات عديدة في الامر، وان ذهابي يوم الجمعة يعني نومي خلال عطلة نهاية الاسبوع في النظارة بانتظار نهاية الاسبوع وبدء العمل القضائي. وترك لي حرية اتخاذ القرار.

– السابع من تموز: صباحا لم انجز اعمالي الطارئة مع اخي لغاية الساعة العاشرة والنصف، كان من المستحيل الوصول إلى مكتب المعلوماتية في الوقت المحدد، اتصلت وابلغت المؤهل الاول بالامر طالبا التأجيل إلى يوم الأثنين.

-السبت الثامن من تموز صباحا: يتصل المؤهل الاول نفسه ويطلب مني موافاته إلى سراي بعبدا للقاء “الريس”. أي ريس أسأله، فيقول “خلص شو بدك، الريس”. ابلغ علي، واتفق مع صديقين على خطة عمل مفصلة لا تتضمن اي شكل من اشكال التحرك المباشر او الميداني.

القدر

-الأثنين العاشر من تموز صباحا، اتوجه برفقة نادر فوز إلى بعبدا وندخل إلى غرفة القاضي غانم بعد لقائنا بالمؤهل الاول، يطلب القاضي ان نترك وحدنا، يجري حوار طويل، يبدي القاضي مرونة فائقة، يتحدث عن التعرض لوزير، “الوزير الذي يصف الناس بالغوغاء وبالديماغوجية والشعبوية؟ هذا من تعرض للاهانة؟” اسأله، يتحول نحو رئيس الجمهورية والحديث عن التعرض للجيش، يحاول حل المسألة بهدوء وروية مع اخذ تعهد مني بسحب المنشور والتعهد بعدم التكرار والاعتذار، ارفض قطعا، مع الاشارة الى ان الشكوى مقدمة من باسيل فقط، ولا علاقة للجيش او الرئيس بالامر. ويدخل بعدها محامي جبران باسيل والمؤهل الاول.

الحق برفقة نادر فوز بالمؤهل الأول إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، ومعي حقيبة ثيابي، كانت الساعة لم تتجاوز الثانية عشرة بعد، يتم تركي لحوالي الساعة في ممر جانبي، اشتري القهوة وادخن واقرأ في كتاب جلبته معي.

يتم ادخالي الى مكتب سوزان الحاج، التي تنصب نفسها قاضية وجلادة في الوقت عينه، وتبدأ بمحاضرة لا تنته عن القوانين والانظمة والجرائم التي ارتكبتها، وتعرضي لمقام رئاسة الجمهورية والقوى الامنية، ثم تنتفض حين تقرأ في النص “بقايا المارونية السياسية”، “شو هيدا؟” اجيب بان كل ذلك ليس في موضوع الشكوى.

“نعم ولكن يمكن للنيابة العامة ان تتحرك وتدعي عليك”.

“أوكي” اجيبها واتابع شرب المياه من قنينة صغيرة حصلت عليها.

“اما ان تعتذر وتتعهد بعدم التكرار او سيكون هناك تصرف اخر، انت ارتكبت جريمة ويجب ان تتحمل النتائج، وعليك فورا ان تزيل البوست”

“البوست ازيله بامر قضائي، وطبعا سأتحمل النتائج” اجبتها.

بدا الامتعاض واضحا على وجهها: “لقد طلب منك القاضي ان تزيله، الا تعتبره قاضيا؟”

“أمر قضائي من محكمة يمثلني فيها محامي ويحصل على حق الدفاع”. قلت وتابعت شرب المياه، كانت المرأة الجلادة – القاضية قد تركتني واقفا امام مكتبها وبقيت هي جالسة بوضعية مرتاحة مستندة إلى ظهر كرسيها الوثير.

انتهى الأمر هنا واخرجت من المكتب الوحيد المكيف كما يبدو في الطابق الذي توقفت اغلب مكيفاته بسبب الاعطال.

بعد قليل عاد المؤهل اول نفسه وطلب مني الدخول إلى قاعة اخرى وحين وصلنا طلب مني ازالة البوست من حسابي على الفايسبووك، رفضت، طلب مني تسليم كلمة السر ليزيل البوست احد العاملين على الاجهزة في المشغل الفني، رفضت ايضا. دار الكثير من الكلام حول عدم جدوى ما افعله وانني لن اغادر قبل ازالة البوست والاعتذار. فرفضت وطلبت منهم ترك الناس تتحدث، حيث لم يعد من شيء يمكن فعله بعد ان ساد الفساد والسرقات والقمع البلاد الا الكلام.

ادخلت إلى مكتب حيث جلس عنصر اخر يدون افادتي الى جانبه المؤهل اول، كتب العنصر: المهنة “ناشط” كنت اقرأ مباشرة عن الشاشة ما يدونه، اعترضت “المهنة صحافي”.

“لست بصحافي، لست مسجلا في الجدول”.

“ومن اين ادفع مصاريفي برأيك؟ من النشاط؟”

تدخل المؤهل “اكتب صحافي غير مسجل”.

حين بدا المؤهل الاول بالسؤال استوقفته: بموجب المادة ٤٧ التي دونتها اريد ان التقي بمحام.

لا يمكن للمحامي حضور التحقيق.

لا اريده ان يحضر، اريد مواجهته فقط. واعطيته اسم علي الدبس ورقم هاتفه، وكانت تلك الورقة الوحيدة التي احملها في جيبي اضافة الى بطاقة هويتي.

رفض ووعدني بان يتصل بالمحامي بعد ان ينتهي من كتابة المحضر.

بعد الكثير من الاعتراضات انتهى المحضر، قرأته وسط انزعاج المحقق، ثم وقعت عليه. سألني العنصر الذي اخذ افادتي: ما هو برجك؟ استغربت السؤال، واضاف: اريد ان اعرف من اين كل هذا العناد؟

كانت الساعة قد بلغت الثالثة بعد الظهر حين وصل علي الدبس. الرجل قام بجولات هاتفية شملت القاضي وغيره، وطلب مني ازالة البوست، رفضت.

خلال لحظات قال لي: القاضي اسقط من يدنا الحجة، تعاون معنا إلى اقصى الحدود، دعنا نركز على معركة الحريات العامة، بحال ازالة البوست سنربح ورقة الايجابية، دون اعتذار او تنازلات قانونية.

“هل طلب القاضي وهو قاضي التحقيق بازالة البوست يعتبر رسمي؟ هل يمكنه تقديم قرار مكتوب بهذا الامر؟” سألت علي.

بعد طول مشاورات قال لي ان طلب القاضي سيذكر في المحضر وان القاضي يوافق على عدم توقيع اي تعهد او اعتذار، وانه بهذا سيختم الامر، وهو اقصى ما يمكن ان نطلبه. وطبعا وافقت على شرط ان نحصل على مهلة ٢٤ ساعة لازالة البوست من خارج المبنى حيث يتم توقيفي. علي الدبس دعم موقفي بعدم اعطاء رمز الدخول او الدخول من اي جهاز اخر غير اجهزتي لازالة البوست موضوع الشكوى.

النوم في الزنزانة

ظهرت النشرة، او السجل الذي يفترض ان يحمل اي اشعارات بالتوقيف او وجود مخالفات سابقة، وظهر فيها حكم غيابي بقضية امام محكمة المطبوعات بدفع غرامة ستة ملايين ليرة لبنانية (٤٠٠٠ دولار اميركي) لصالح سمير جعجع على اثر دعوى حول مقال كتبته في جريدة الاخبار (بتاريخ ربما هو ٢٠٠٩ او ٢٠١٠).

الحكم صدر العام ٢٠١٤ وتحول للتنفيذ حينها، وبموجب هذا الاشعار نمت ليلة في السجن بانتظار دفع المبلغ.

– التأخر في صدور النشرة ادى إلى نومي في الزنزانة.

عدم حضور محامي جريدة الاخبار ومحامي يومها نزار صاغية للجلسات ادى الى خسارة الدعوى وطبعا الحكم باعلى مبلغ.

عدم دفع جريدة الاخبار متوجباتها وضع خلاصة الحكم على سجلي العدلي وصدر بموجبه بلاغ بحث وتحري.

لطالما حمينا (خلال مرحلة العمل في جريدة الاخبار) الصحافيين والكتاب لدى الجريدة، وكان الدفع عنهم امر لا نقاش فيه وهو طبعا لتحفيزهم (حينها) على الكتابة بحرية.

بعد ٢٤ دخول وخروج من لبنان من العام ٢٠١٤ ولغاية توقيفي يوم العاشر من تموز، عبر مرفأ المطار الاكثر حيوية لم يتم توقيفي او ابلاغي بوجود مذكرة بحث وتحري، ولم تظهر خلاصة الحكم الا في لحظة التوقيف.

لم يجب نزار صاغية محامي الجريدة على الاتصالات الهاتفية الواردة اليه من الاصدقاء، الا بعد تدخل احد اقاربه.

طبعا الشكر للاهمال فبفضل هذا الاهمال (ان لم نسء النية)، امضيت ليلة تمكنت خلالها من معرفة احوال الموقوفين في نظارات الدولة اللبنانية عبر نموذج مصغر في مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية. حيث يختنق الان المساجين من الحر والكثافة وقلة التهوئة وبطء القضاء وسوء التجهيز او انعدامه، علها لا تكون اسهل الامور.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s